الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الأطفال
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 5661
22/08/2026
ابنتي عمرها ١١ سنة، ولاحظت في الفترة الأخيرة أنها تحكي لصديقاتها تفاصيل كثيرة عن البيت. أحيانًا تحكي عن مشكلة حصلت بيني وبين والدتها، أو عن مشكلة مالية بسيطة، أو عن كلام قلناه أمامها.
عندما واجهتها قالت لي: «دول صحابي وأنا بثق فيهم». أنا لا أريد أن أخوفها من الناس، لكن في نفس الوقت أشعر أنها لا تعرف حدود الخصوصية. حاولت أمنعها من الكلام مع صديقاتها، فزعلت وقالت إني لا أثق بها. كيف أعلمها؟
أستاذي الكريم، قلقك مفهوم جدًّا، لكن من المهم أن ننظر إلى المسألة من
زاوية نموها النفسي قبل أن ننظر إليها باعتبارها «خطأ في السلوك».
في عمر ١١ سنة يبدأ الطفل في الانتقال تدريجيًّا من الاعتماد الكامل على
الأسرة إلى تكوين مساحة اجتماعية خاصة به، وتصبح الصداقة مصدرًا مهمًا لما يسمى
الانتماء الاجتماعي Social Belonging.
لذلك فإن قولها: «أنا بثق في صحابي» ليس بالضرورة تحديًا لك، وإنما قد يكون
تعبيرًا عن حاجتها إلى تكوين عالم اجتماعي خاص بها.
المشكلة إذن ليست أنها تحب صديقاتها أو تتحدث معهن، وإنما أنها تحتاج إلى
تعلم مفهوم الحدود الشخصية والأسرية Personal
Boundaries.
وهنا أنصحك ألا تجعل التعليم في صورة منع شامل؛ لأن المنع الكامل قد يدفعها
إلى إخفاء الحديث بدل أن تتعلم التمييز.
اجلس معها في وقت هادئ، وقل لها: «أنا مش ضد إنك يكون عندك أصحاب، بالعكس
أنا سعيد إن عندك ناس بتحبيهم وتثقي فيهم. لكن في حاجات تخص الأسرة، زي مشاكل بابا
وماما أو الأمور المالية أو أسرار إخوتك، دي خصوصية مش ملكنا لوحدنا علشان نحكيها
لأي حد».
ثم أعطها أمثلة واضحة؛ فالطفل في هذا العمر يحتاج إلى قواعد ملموسة وليس
مفاهيم عامة فقط.
يمكن أن تقول لها: «ممكن تحكي لصاحبتك إنك كنتِ زعلانة النهارده، لكن مش
لازم تحكي تفاصيل الخلاف اللي حصل في البيت». «ممكن تقولي إن عندك مشكلة مع أختك،
لكن مش من حقك تحكي أسرارها».
ومن المفيد أيضًا أن تعلمها أن هناك فرقًا بين الخصوصية والسرية. الخصوصية
تعني أن هناك معلومات لا نشاركها مع الآخرين احترامًا لأنفسنا ولأسرتنا. أما
السرية التي تمنع الطفل من طلب المساعدة عندما يتعرض للأذى فهي شيء مختلف تمامًا.
فلو حدث معها موقف يخيفها أو يؤذيها أو يجعلها تشعر بعدم الأمان، يجب أن
تعرف أن الحديث مع شخص بالغ موثوق ليس إفشاءً للسر، بل طلب للمساعدة. هذه النقطة
مهمة جدًّا في التربية الوقائية.
كذلك راجعوا داخل الأسرة أنفسكم: هل تتحدثون أمامها عن تفاصيل خاصة بأفراد
الأسرة؟ هل تحكون لها أسرار الأقارب؟ هل تتحدثون أمامها عن مشكلات الآخرين ثم
تطلبون منها ألا تحكي؟
الأطفال يتعلمون كثيرًا عن طريق النمذجة Modeling؛ أي أنهم
يراقبون سلوك الكبار أكثر مما يستمعون إلى تعليماتهم. إذا أردنا طفلًا يحترم
الخصوصية، فينبغي أن يرانا نحترم خصوصية الآخرين.
وأريد أن أنبهك إلى أمر آخر: لا تستخدم عبارة «أنا فقدت الثقة فيك»؛ لأن
هذه العبارة قد تحول مشكلة سلوكية قابلة للتعديل إلى أزمة في العلاقة.
فقل بدلًا منها: «أنا واثق فيك، لكن في سلوك محتاجين نتعلمه مع بعض».
الفارق النفسي بين العبارتين كبير جدًّا. الأولى تهدم الثقة، والثانية
تعطيها فرصة للنمو.
كذلك لا تراقب هاتفها أو محادثاتها بشكل مبالغ فيه لمجرد الخوف؛ فالمتابعة
الأبوية مطلوبة ومناسبة للعمر، لكن الأفضل أن تكون واضحة ومتناسبة مع احتياجاتها،
وليست مبنية على الشك الدائم.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾.. والتربية على الخصوصية لا تعني أن نغلق
الطفل على نفسه، بل أن نعلمه متى يتحدث، ومع من، وماذا يقول، ولماذا.
وفي المقابل، شجعها على أن تكون صديقة جيدة؛ فالصداقة الصحية تقوم على
احترام خصوصية الطرف الآخر وعدم نقل كلامه.
يمكن أن تقول لها: «زي ما تحبي صاحبتك ما تحكيش أسرارك، هي كمان من حقها
تتوقع منك نفس الشيء». وهكذا تتحول المشكلة إلى درس أخلاقي واجتماعي متكامل.
همسة أخيرة:
ابنتك لا تحتاج إلى أب يخاف من العالم نيابة عنها، وإنما تحتاج إلى أب
يعلمها كيف تعيش في العالم بوعي.
لا تغلق الباب أمام صداقاتها، بل علّمها كيف تفتح الباب دون أن تترك
خصوصيتها وأمانها خلفه.
وحين تشعر أنك تحترم عقلها وتثق في قدرتها على التعلم، ستكون أكثر
استعدادًا لأن تستمع إلى حدودك.
روابط ذات صلة:
تفشي أسرارنا الخاصة.. كيف أتعامل؟!