الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
63 - رقم الاستشارة : 5229
06/07/2026
رجل اشترى مني عقارًا ورهن قطعة أرض عندي حتى يقضي دينه والآن عجز عن سداد الدين ويريد أن يفك الرهن عن طريق شرائه بثمن مؤجل مع الزيادة في الثمن.. فهل يجوز ذلك؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، الشريعة الإسلامية
الغراء بنيت أحكامها على محاربة الظلم والاستغلال، وحماية أموال الناس من الأكل
بالباطل، وجاءت بنصوص قاطعة تحرّم الربا بجميع صوره وأشكاله، سواء أكان صريحًا أم
مغلفًا بحيل وعقود صورية. وفي الوقت ذاته، وضعت الشريعة حلولاً عادلة تضمن للدائن
توثيق حقه واستيفائه كالرهن، وتضمن للمدين المعسر عدم إرهاقه بالزيادات الربوية
عند العجز، وفتحت باب المخارج الشرعية البديلة التي تحقق مصالح الطرفين بالحق
والعدل.
اختصارًا: هذه
المعاملة المقترحة محرمة شرعًا ولا تجوز بتاتًا؛ وتكييفها الفقهي أنها صورة من صور
"قلب الدين على المعسر" وهي عين "ربا الجاهلية" المحرم
بالكتاب والسنة والإجماع، وجاءت هنا عبر "حيلة صورية" باتخاذ الأرض
المرهونة وسيلة لزيادة الدين مقابل زيادة الأجل، وبيع الرهن إلى الراهن عبث، فكيف
يشتري ملكه.
وجه التحريم بالتفصيل:
المدين يملك الأرض أصلاً وهي مرهونة عندك فقط كتوثيق
للدين. فإقدامه على "شرائها" منك بثمن مؤجل أعلى بعد أن يتنازل لك عنها
لتقضي بها الدين الأول يعني في حقيقته: أنكم قضيتم الدين القديم مثلاً 10 آلاف
بإنشاء دين جديد مؤجل أكبر مثلاً 15 ألفًا على نفس العين، ليكون لسان حال
المعاملة: "إما أن تقضي دَين العقار الآن، وإما أن تزيد فيه مقابل تأجيل
السداد وفك الرهن"، وهذا هو الربا المحرم الذي لا تبيحه عقود البيع الصورية.
أما المخارج الشرعية الصحيحة لحل هذه المشكلة دون الوقوع
في الحرام، فستجدها مفصلة في الفتوى كبيع الرهن الفعلي، أو إنظار المعسر.
أولاً: حرمة قلب الدين وزيادته مقابل الأجل ربا الجاهلية
أجمع العلماء على أن الدين المستقر في الذمة لا يجوز
زيادة قيمته مقابل تمديد أجله، وأن إدخال العقود الصورية على هذه المعاملة لا يرفع
عنها وصف الربا.
قال الإمام ابن عبد البر في الاستذكار ج6/ ص 494:
"الربا الذي أجمع المسلمون على تحريمه هو ربا
الجاهلية، وهو أن يكون للرجل على صاحبه دين مؤجل، فإذا حل الأجل قال له: أتقضي أم
تربي؟ فإذا لم يقضِ زاد هذا في المال وزاد هذا في الأجل".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج29/ ص 421
عن الحيل في قلب الدين:
"إذا كان على الرجل دين حالّ وهو معسر، لم يجز
زيادة الدين عليه لتأجيله، سواء كان ذلك ببيع سلعة أو غير ذلك؛ فإن هذا هو ربا
الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه، وتسمية ذلك بيعًا أو مرابحة لا يخرجه عن
حقيقته".
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي القرار رقم 153 - 2/17
بشأن جدولة الديون:
"إن قلب الدين على المدين -بأن يحل الأجل والمدين
معسر، فيتفق الدائن والمدين على زيادة في الدين مقابل زيادة الأجل- حرام شرعًا
بطريق المباشرة، أو بطريق الحيلة ببيع سلعة من الدائن للمدين ثمنها مؤجل تشتمل على
زيادة على الدين الأول من أجل سداده".
ثانيًا: المخارج الشرعية الصحيحة لبراءة ذمة الطرفين دون
ربا
لحل هذه المعضلة واكتساب الدائن لحقه دون استغلال
المدين، وضعت الشريعة عدة بدائل:
المخرج الأول: بيع الأرض المرهونة استيفاءً للدين البيع
الحقيقي لغير الدائن أو له بالقيمة العادلة.
يجوز باتفاق الطرفين بيع قطعة الأرض المرهونة في السوق
بسعرها الحالي الحقيقي نقدًا، ويأخذ الدائن حقه المستقر في ذمة المدين دون أي
زيادة ربوية، فإن فضل من ثمن الأرض شيء رُدّ للمدين، وإن نقص استقر الباقي في
ذمته.
جاء في الروض المربع للمقدسي ص 246: "وإذا حل الدين
والراهن معسر... بيع الرهن بإذن الراهن أو إذن الحاكم، ووُفي الدين من ثمنه، وما
فضل فللراهن، وإن نقص ففي ذمته".
المخرج الثاني: إنظار المعسر وهو الواجب شرعًا
إذا كان المشتري عاجزًا تمامًا وليس لديه ما يسد به إلا
هذه الأرض ولا يريد بيعها، فالواجب الشرعي الحتمي هو إمهاله وتأجيله دون فرض أي
غرامة أو زيادة مالية، لقوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ
مَيْسَرَةٍ}.
المخرج الثالث: الإقالة الفسخية استرداد العقار الأول
إذا رضي الطرفان، يتم فسخ عقد شراء العقار الأول الذي
نشأ منه الدين، فيعود العقار إلى البائع، ويرد للمشتري ما دفعه سابقًا، وتنفسخ
المعاملة وتتحرر الأرض المرهونة تلقائيًّا، وهو ما يسمى فقهيًّا بـ
"الإقالة".
القواعد الفقهية الحاكمة:
قاعدة: "العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا
بالألفاظ والمباني"
هذه القاعدة تكشف زيف المعاملة المقترحة؛ فمهما سُميت
هذه المعاملة "شراء أرض بثمن مؤجل"، فإن حقيقتها ومقصدها الحقيقي هو
"تمديد أجل الدين القديم مقابل فائدة مالية زائدة"، وتغير الأسماء لا
يغير الأحكام الشرعية.
قاعدة: "كل قرض أو دَين جر نفعًا فهو ربا"
الزيادة المقترحة في الثمن المؤجل الجديد لا تقابلها
سلعة حقيقية انتقلت منافعها بطريقة مشروعة، وإنما هي منفعة مالية مجردة زيادة مال
جرت إليك كدائن مقابل إنظار وتأجيل المدين، فتدخل مباشرة تحت مسمى الربا.
قاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد"
اتخاذ الأرض المرهونة كوسيلة وجسر صوري لإعادة بيعها
وتوليد دين أكبر منها، يجعل هذه الوسيلة محرمة لأنها أدت إلى مقصد محرم شرعًا وهو
الربا.
قاعدة: "يسقط الرهن ببراءة الذمة أو ببيعه في
الدين"
الأصل في الرهن أنه وثيقة تابعة للدين الأصلي، ولا يصح
فكه إلا بأداء الدين كاملاً كما هو، أو ببيع الرهن نفسه بقيمته السوقية الحالية
لإنهاء المداينة، وليس بجعله مصدرًا لتوليد ديون ربوية جديدة. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
حكم انتفاع البنوك الإسلامية بالرهن