ابنتي تعاني من رهاب الفشل!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : الشباب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 54
  • رقم الاستشارة : 5368
19/07/2026

أنا والد لفتاة تبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا، تخرجت في الجامعة منذ عام تقريبًا بتقدير جيد جدًا، وكنا جميعًا نتوقع أن تبدأ حياتها العملية سريعًا.

لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا.

كلما وجدنا لها فرصة عمل مناسبة، أو رشحها أحد الأقارب لوظيفة جيدة، تتهرب بحجة أنها غير مستعدة، أو أن الوظيفة لا تناسبها، أو أنها تحتاج إلى مزيد من الوقت.

في البداية صدقنا ذلك، لكن مع مرور الشهور اكتشفنا أنها لا تبحث عن عمل أصلًا.

وعندما جلست معها بهدوء، قالت لي جملة هزتني:

"أنا خايفة أدخل أي شغل وأفشل.. أو الناس تكتشف إني مش شاطرة زي ما هما فاكرين".

ثم بكت وقالت إنها تشعر أن الجميع يتوقع منها النجاح، وأنها إذا أخطأت مرة واحدة فسوف تخيب آمالنا.

هي فتاة خلوقة، ومجتهدة، ومحافظة على صلاتها، لكنها أصبحت تقضي معظم وقتها في المنزل، وترفض حضور أي مقابلة عمل، حتى بدأت ثقتها بنفسها تهتز.

أنا لا أريد أن أضغط عليها، لكنني أيضًا لا أريد أن يضيع عمرها وهي تنتظر الشجاعة حتى تأتيها.. فكيف أساعدها؟

الإجابة 19/07/2026

أخي الفاضل..

 

لقد تأثرت كثيرًا بجملة ابنتك: "أخاف أن أفشل"؛ لأن هذه الجملة تكشف أن المشكلة ليست في الكسل، ولا في ضعف الطموح، وإنما في الخوف.

 

وأحيانًا يكون الخوف من الفشل أقوى من الفشل نفسه، فيُجمِّد الإنسان في مكانه، فلا يتقدم ولا يتراجع.

 

ولهذا أطمئنك أولًا بأن ابنتك -كما تصفها- لا تبدو فاقدة للطموح، وإنما تحتاج إلى أن تتحرر من قيد نفسي يمنعها من الانطلاق.

 

أولًا: ما الذي يحدث داخل ابنتك؟

 

في علم النفس يُعرف هذا النمط باسم Fear of Failure، أي الخوف من الفشل. ويصاحبه أحيانًا ما يسمى Impostor Syndrome (متلازمة المحتال)، وهي حالة يشعر فيها الإنسان أنه لا يستحق نجاحه، وأن الآخرين سيكتشفون قريبًا أنه أقل كفاءة مما يظنون.

 

ورغم أن هذا الشعور غير واقعي في كثير من الأحيان، فإنه يجعل صاحبه يتجنب التجربة من الأساس.

 

فالعقل يقول له: "إذا لم أبدأ، فلن أفشل"، لكن الحقيقة أنه بذلك يمنع نفسه من النجاح أيضًا.

 

ثانيًا: لا بد من ملاحظة أن الكمالية قد تكون عدوًا للنجاح

 

بعض الشباب يظنون أنهم لن يبدؤوا العمل إلا إذا كانوا مستعدين بنسبة 100%. وهذا ما يسمى الكمالية. لكن الواقع يقول إن أغلب الناجحين تعلموا أثناء العمل، لا قبله؛ فالخبرة تُكتسب بالممارسة، لا بالانتظار. ولهذا فإن انتظار اللحظة المثالية قد يحرم الإنسان من فرص كثيرة.

 

ثالثًا: لا تضغطوا عليها بالمقارنة

 

من العبارات التي تؤذي الشاب أو الفتاة في مثل هذه الحالة:

 

• بنت خالتك اشتغلت.

 

• كل دفعتك سبقوك.

 

• إلى متى ستبقين في البيت؟

 

فهذه المقارنات لا تصنع دافعًا، بل تزيد القلق والشعور بالنقص. بل وتؤدي إلى ما يسمى بقلق الأداء، وهو يزداد كلما شعر الإنسان أن قيمته مرتبطة بالنجاح فقط.

 

رابعًا: حاولوا أن تغيّروا لديها مفهوم الفشل

 

قولوا لها: "الفشل الحقيقي ليس أن تخطئي، وإنما أن تمنعي نفسك من المحاولة"، وساعدوها على أن ترى الخطأ باعتباره خبرة، لا نهاية الطريق.

 

قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾. فالآية تدعو إلى العمل والاجتهاد، ولم تشترط الكمال قبل البداية.

 

خامسًا: ابدؤوا بخطوات صغيرة

 

بدلًا من مطالبتها بوظيفة كاملة منذ البداية، اقترحوا عليها:

 

• تدريبًا قصيرًا.

 

• عملًا جزئيًّا.

 

• مشاركة في مشروع تطوعي.

 

• دورة عملية مع تطبيق ميداني.

 

هذا الأسلوب يسمى (التعرض التدريجي)، وهو من أنجح الأساليب في علاج المخاوف؛ لأنه يجعل الإنسان يواجه ما يخشاه خطوة بعد خطوة، حتى يكتشف أن الأمر أقل رعبًا مما كان يتخيل.

 

سادسًا: أعيدوا بناء ثقتها بنفسها

 

ذكّروها بإنجازاتها السابقة.

 

اسألوها:

 

• كيف نجحتِ في الجامعة؟

 

• كم مرة واجهتِ صعوبات ثم تجاوزتِها؟

 

• ما المهارات التي يشهد بها أساتذتك وزميلاتك؟

 

فهذا يساعد على تنشيط ما يسمى الكفاءة الذاتية، أي إيمان الإنسان بقدرته على النجاح. وكلما زاد هذا الإيمان، زادت شجاعته في خوض التجارب.

 

سابعًا: دور الأب في هذه المرحلة

 

وجودك بجانبها دون تهديد أو تقليل من مشاعرها سيمنحها قوة كبيرة.

 

قل لها: "أنا لا أطلب منك أن تكوني كاملة، وإنما أريدك أن تكوني شجاعة. وإن أخطأتِ، فسأكون أول من يساعدك على الوقوف مرة أخرى"..

 

هذه الرسالة تمنحها الشعور بالأمان النفسي، وهو من أهم عوامل النجاح والنمو.

 

وكان الأنبياء عليهم السلام يبذلون الأسباب، ثم يتوكلون على الله، ولم ينتظروا ضمان النتائج.

 

قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فالعزم يسبق التوكل، والعمل يسبق الثمرة. كما قال النبي ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز». وهذا الحديث يجمع بين السعي، والاستعانة بالله، ورفض الاستسلام للعجز والخوف.

 

وإليكم خطة عملية لمدة شهر:

 

• الاتفاق على التقديم لوظيفة أو فرصة تدريب واحدة فقط في الأسبوع، دون ضغط للوصول إلى الوظيفة المثالية.

 

• الاحتفال بكل خطوة تنجزها، مهما كانت صغيرة، مثل إرسال السيرة الذاتية أو حضور مقابلة.

 

• تقليل الحديث عن توقعات الآخرين، والتركيز على تقدمها الشخصي.

 

• تشجيعها على كتابة ثلاثة إنجازات أو مواقف نجحت فيها كل مساء، لترسيخ شعورها بالكفاءة.

 

• إذا استمر الخوف بصورة تعطل حياتها لأشهر، فالأفضل مراجعة اختصاصي؛ لمساعدتها على تجاوز القلق بطرق علمية.

 

همسة أخيرة:

 

ابنتك لا تحتاج إلى من يدفعها بقوة نحو المستقبل، بقدر ما تحتاج إلى من يمسك بيدها وهي تخطو أول خطوة. فالثقة بالنفس لا تنزل فجأة، بل تُبنى مع كل تجربة، وكل محاولة، وكل عثرة نتعلم منها.

 

علّموها أن النجاح ليس غياب الأخطاء، وإنما القدرة على النهوض بعد كل تجربة، وأن الله لا يطلب من عباده الكمال، وإنما يبارك السعي الصادق والإخلاص في العمل.

 

روابط ذات صلة:

الخوف من الفشل

تتهم نفسها بالفشل عند أقل إخفاق!

الرابط المختصر :