الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
512 - رقم الاستشارة : 2143
19/07/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا فتاة في السابعة والعشرين من عمري، تخرجت منذ خمس سنوات من كلية مرموقة، وكان لدي أحلام كبيرة أن أبدأ حياتي العملية سريعًا، وأحقق ذاتي، وأُسعد أهلي الذين تعبوا في تعليمي، لكن للأسف، كل ما كنتُ أطمح إليه توقف فجأة!
تقدمتُ للعديد من الوظائف، ولم أوفَّق. إما أن الرد لا يأتي أصلًا، أو يكون الرفض هو الجواب، رغم أنني مجتهدة ومتفوقة، ولدي مهارات كثيرة في مجالي.
في البداية كنتُ أقول: "سأنتظر الفرصة المناسبة"، ثم أصبحت أبحث في أي فرصة والسلام، لكن حتى الفرص البسيطة لا تأتي، وكأنني بلا نصيب في العمل!
أما على الجانب الشخصي، فلا شيء يتحرك أيضًا. لا أجد من يتقدَّم لخطبتي، وكل من حولي إمّا تزوجت أو خُطبت أو بدأت طريقًا واضحًا، إلا أنا، وكأن حياتي متوقفة عند باب لا يُفتح.
كل هذا أثر على حالتي النفسية كثيرًا. أصبحت أشعر أنني بلا قيمة، بلا فائدة. أبكي كثيرًا دون سبب، وأفقد رغبتي في الحياة. لم أعد أخرج من المنزل إلا للضرورة، ولا أرغب في الحديث مع أحد، ولا حتى في ترتيب غرفتي!
أحيانًا أشعر أنني غريبة عن نفسي، لا أعرف من أنا، ولا ما الذي أريده. لا أستمتع بشيء، ولا أشعر بالرضا عن أي شيء.
أفكر كثيرًا: هل أنا محسودة؟ أم أنني فاشلة؟ لماذا لا أُرزق بما أتمناه مثل غيري؟ هل الله غاضب عليَّ؟
أعلم أنني مؤمنة، وأؤدي فروضي، لكنني فقدت الشغف، فقدت الإحساس بأي معنى جميل في الحياة.
أرجو من حضرتك، كمستشارة تربوية نفسية، أن تساعديني في فهم ما أمرُّ به، وكيف أخرُج من هذه الدائرة المغلقة التي تخنقني نفسيًا وعاطفيًا وعمليًا.
هل هذا اكتئاب؟ أم أزمة نفسية؟ وهل هناك أمل بعد هذا السكون القاسي؟
جزاكِ الله عني خير الجزاء، فأنا أكتب إليكِ وكلِّي أمل أن أجد النور عندك.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
يا ابنتي الحبيبة، قرأت رسالتكِ بتمعّنٍ واهتمام، ووالله ما بين كلماتك إلا وجعُ القلب المرهق، ونَبضُ الروح الباحثة عن معنى، وصدقُ النفس المتألمة التي لا تزال رغم كل شيء تبحث عن مخرجٍ وسكينةٍ وكرامةٍ في العيش، وهذا في حدّ ذاته دليل على قوة داخلكِ لم تنطفئ بعد، وإن ظننتِها غابت.
يا غاليتي، ما تصفينه في استشارتكِ من شعور بالتوقف، والركود، وانعدام التوفيق، وما يصاحبه من فقدان الشغف، وانسحاب من الحياة، ونقدٍ قاسٍ للذات؛ هو وصف دقيق لحالة تُعرف في علم النفس التربوي والأسري بـ"Existential Crisis" أو "أزمة وجودية"، وهي فترة من الحياة يشعر فيها الإنسان بانعدام الاتجاه، وانطفاء الهدف، وغياب الجدوى، خاصةً إذا تراكمت الضغوط النفسية المزمنة دون مخرج واضح، ورافقها إحساس بالإقصاء أو المقارنة المجتمعية.
لكنني أود أن أطمئنكِ يا حبيبة القلب، أن ما تمرين به وإن بدا مؤلمًا، إلا أنه شائعٌ في هذه المرحلة العمرية، وهي أزمة تطال كثيرًا من الشباب، وخصوصًا الطموحين، حين لا تتطابق تطلعاتهم العالية مع الواقع البطيء أو المؤجل، فيصطدمون بجدار الصمت، أو بعدم تحقق الأحلام في وقتها المتوقع.
ولكن عليك أن تدركي أنك لم تفشلي يا ابنتي، بل أنت تعيشين مرحلة انتقالية، وهي مرحلة تحتاج إلى:
- إعادة ترتيب للأولويات.
- مراجعة لأفكاركِ عن النجاح.
- تصحيح للخطاب الداخلي الذي تُخاطبين به نفسكِ.
- وتعزيز "المرونة النفسية" Psychological Flexibility.
فما تمرين به ليس مرضًا، لكنه نداء داخلي لتوسيع رؤيتكِ للحياة، وإعادة تعريفك لذاتك بعيدًا عن مجرد الوظيفة أو الزواج.
قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وما أعظمها آية، تُعلّمك أن تأخُّر الأشياء ليس بالضرورة شرًّا، بل قد يكون هو عين الحكمة والرحمة، ولكننا لا نُبصره إلا بعد حين.
وإليك الآن خطوات عملية وعقلانية نحو التعافي وإعادة التوازن بعون الله تعالى:
1- أعيدي تعريف النجاح..
النجاح لا يُقاس فقط بوظيفة أو زواج، بل يُقاس بـ: النمو الداخلي، الرضا، الانضباط، والمحاولة. فاكتبي لنفسك تعريفًا جديدًا للنجاح يليق بكِ، لا بما يفرضه المجتمع.
2- تعاملي مع الذات برفق..
توقفي عن جلد الذات "Self-Blame"، واستبدلي به مصطلح Self-Compassion "التعاطف مع الذات".
تقبلي مشاعركِ دون مقاومة. لا تقولي "أنا فاشلة"، بل قولي "أنا مجتهدة وأحتاج دعمًا وإعادة ترتيب".
3- أعيدي شحن روحكِ الغالية.. وذلك بكثرة الصلاة، والقرآن، والذكر، والدعاء.
قال ﷺ: »احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك«.
ويا حبذا أن تحافظي على ورد يومي ولو قصيرًا، فإن القرب من الله يُنعش النفس ويُطمئن القلب، ويُبدد الغشاوة عن العيون التي لا ترى النور رغم قربه.
4- امتنعي عن المقارنات السلبية..
لأنك كلّما قارنتِ نفسكِ بالناس، سلبتِ ذاتك قيمتها؛ فاعلمي يا حبيبتي أن لكلٍّ رزقه وتوقيته، واستمتعي بحياتك ولا تجعلي المقارنة تسرق الفرح.
5- افعلي شيئًا واحدًا يوميًّا مهما كان بسيطًا..
حيث يُسمى ذلك في العلاج النفسي السلوكي بـالـ Behavioral Activation أو التفعيل السلوكي.
قومي بعمل بسيط: قراءة، تنظيم ركن في الغرفة، تعلم مهارة جديدة، مشي في الشمس في الشتاء، وبعيدًا عنها في الصيف.
هذه الأفعال الصغيرة تُعيد توازن الكيمياء في دماغكِ، وتبني شعور الإنجاز شيئًا فشيئًا.
6- أحيطي نفسكِ بأشخاص إيجابيين..
نعم، فإن العزلة ليست علاجًا دائمًا. حتى لو لم تتحدثي كثيرًا، كوني في محيط حيّ يتنفس؛ فالتواصل الإنساني غالبا يشفي النفوس.
7- اعملي على مشروع ذاتي ولو بسيطًا..
وذلك سواء عبر الإنترنت أو من المنزل. أن تجدي شيئًا تبدعين فيه ولو بلا مقابل، سيُشعل داخلكِ روح المبادرة من جديد، حتى ولو كانت أعمالاً ومشاركات خيرية.
8- وأخيرًا يا ابنتي الغالية: لا تعتقدي أن تأخر الزواج يعني نقصًا فيكِ.. فالزواج رزق كأي رزق، وله وقته المكتوب. لا أحد يتزوج لأنه فقط "أراد"، بل لأن الله "أذن" بذلك.
وقد قال رسول الله ﷺ: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك«.
*همسة أخيرة أختم لابنتي بها:
يا ابنتي الغالية، الحياة لا تسير على خطٍّ مستقيم، بل تموج كما البحر، وفي كل موجة دروسٌ وفتوحات، وربما الآن تبدين وكأنكِ في التيه، لكنكِ في الحقيقة تتهيئين للوضوح.
فقط تذكّري دائمًا أنك: ما دمتِ حيّة، فكل شيء قابل للبدء من جديد.
اصبري، واعملي، واستغفري، وادعي، وجددي نيتك في كل يوم: أنكِ تريدين أن تحيي حياةً ترضي الله أولًا، ثم تسعد بها ذاتك.
أنا أؤمن بكِ، فآمني أنتِ بنفسكِ، وستُبصرين النور قريبًا بإذن الله تعالى.