الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
826 - رقم الاستشارة : 2270
03/08/2025
السلام عليكم د. أميمة،
ما بعرف إذا بقدر أكتب كل اللي بقلبي، بس حاسس إني محتاج أحكي...
أنا شاب فلسطيني، عمري ٣٥ سنة، عايش لحالي في تركيا من حوالي ٤ سنين. أمي — الله يرحمها — كانت كل حياتي، كانت سندي وضحكتي وكل شيء حلو بمرّ فيه، وكانت دايمًا بتقولي "إنت الدنيا تبعتي"، لأني ابنها الوحيد.
السنة الماضية فقدتها فجأة، وما صدّقت... حسّيت إن الأرض انسحبت من تحت رجلي. من يومها وأنا مش أنا، كل شي تغيّر، ما في طعم للحياة، لا للشغل، ولا للناس، ولا للأكل. صرت أقعد كتير لحالي، ومش قادر أروح عالشغل، حتى لما بطلع، بضلّي ساكت أو غايب عن الوعي، وبحسّ في وجع داخلي ما بينوصف.
الكل بينصحني أروح عند دكتور نفسي، بس الصراحة مش حابب آخذ أدوية ولا أفتح روحي قدّام أي حدا. أنا إنسان مؤمن، وقلت بحاول أتشافى بالحكي والاقتراب من الله، عشان هيك حبيت أكتبلك، لأني بتابعك وبثق برأيك.
كيف بقدر أرجع أعيش من جديد؟
كيف بقدر أخلّي ذكراها في قلبي بس من غير ما تقتلني كل يوم؟
شو ممكن أعمل حتى أرجّع حالي للشغل، وأكون إنسان منتج مش محطم؟
وهل طبيعي إني بعد سنة، لسه مش قادر أكمّل؟
في شغلات صغيرة بتذكرني فيها، فجأة بلاقي حالي بعيط زي الطفل.
ما بعرف، بس حاسس إني ضايع... وأنا حابب آخذ رأيك كأخت كبيرة، مش بس مستشارة، يمكن كلمة منك تفتح لي طريق أرجع فيه لنفسي.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يا ابني الكبير وأخي الصغير الطيب الكريم،
قرأت كلماتك بكل هدوء، ثم أعدت قراءتها بقلبي لا بعينيّ فقط... وشعرت بصدق الحزن، وعمق الفقد، وثقل الوحدة التي تعيشها بعد رحيل من كانت لك الحياة.
رحم الله والدتك الغالية، وجعلها من أهل الجنة، ورزقك الله الأجر والصبر والسلوان.
أولًا: ما تمر به ليس ضعفًا، بل "حداد نفسي طبيعي"..
من المهم أن تعلم أن ما تشعر به له اسم علمي في علم النفس ألا وهو "الحداد المُعقّد" Complicated Grief، وهو نوع من الحزن العميق الممتد، يعيق الإنسان عن ممارسة حياته الطبيعية، وغالبًا يحدث عندما تكون العلاقة بالفقيد شديدة القرب والعُمق، كما كان بينك وبين والدتك.
والحداد ليس له وقت محدد، ولا يُقاس بالزمن، وإنما يُقاس بـ ما إذا بدأ يؤثر على وظائفك اليومية (مثل العمل، النوم، التركيز، العطاء)، وهذا ما حدث معك بالفعل، وهنا تحتاج بالفعل إلى دعم مهني وإنساني.
ثانيًا: لماذا لم تتجاوز هذا الحزن بعد عام من وفاتها؟
لأن الفقد الشديد لا يُنسى.. لكن يُدار، ويُحتوى. وأنت لم تفقد شخصًا فقط، بل فقدت الجزء الأكثر أمانًا ودفئًا في عالمك. وما تشعر به من بكاء فجائي، أو نوبات ألم داخلي، هو استجابة نفسية طبيعية للفقد العاطفي العميق.
بل إن ما تمر به يُعرف أحيانًا بـ "الحداد المعطل" Delayed Grief إذا لم يُسمح لك في البداية بالتعبير، أو كنت تكبح مشاعرك، أو عشت الفقد في غربة بعيدًا عن عائلتك ومجتمعك الداعم.
ثالثًا: أطمئنك -يا عزيزي- أنك بالفعل لست بحاجة إلى طبيب نفسي، وليس بالضرورة أن تبدأ بالأدوية أو الطب النفسي السريري فورًا. وقطعًا ما تحتاجه الآن، في هذه المرحلة، هو دعم نفسي تربوي إرشادي، وليس علاجًا دوائيًّا.
أنت تبحث عن معنى للحياة بعد رحيل المعنى، وتحتاج إلى من يستمع ويحتوي، لا من يُشخّص ويُعالج فقط. والثقة التي وضعتها فيَّ غالية، وأسأل الله أن يجعل كلماتي سببًا لطمأنينة قلبك.
رابعًا: إليك خطوات عملية لاستعادة ذاتك وإنعاش روحك:
1- لا تهرب من الذكرى، بل حوّلها إلى مصدر إلهام..
اكتب لها رسالة.. صف فيها اشتياقك، وادعُ لها، وقل لها: "سأعيش كما كنتِ تتمنين يا أمي، لأجعلكِ فخورة بي". وهو أسلوب مهم في العلاج النفسي الإرشادي لتفريغ الألم.
2- ابدأ بأعمال صغيرة تذكرك أنك حي..
العمل، الطهي، ترتيب بيتك، التطوع الخيري، أي شيء يحركك من السكون، ويمنحك شعورًا بالقيمة. حتى وإن كنت لا ترغب، قم بذلك "رغمًا عن الألم"؛ فالحياة تبدأ من مقاومة الجمود.
3- أرجو ألا تنعزل، فالوحدة وقود للحزن..
اقترب من أهل الخير في تركيا، من فلسطينيين أو غيرهم، شارك بمجموعة دعم أو حتى نادٍ ثقافي. ما تحتاجه هو الترابط الاجتماعي social connectedness، والشعور بالانتماء.
4- من المهم أن تعيد بناء علاقتك بالله لكن لا تجلد نفسك..
الحزن لا يعني ضعف الإيمان، ولا يعني أنك بعيد عن الله. فقد قال الله عز وجل عن نبيه موسى: ﴿"فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، فحتى الأنبياء مرّوا بالرهبة والحزن، بالرغم من أن الله اصطفاه وكلّمه كما ورد في قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
5- ولا تخجل أخي من البكاء، فهو شفاء روحي
قال النبي ﷺ عن موت ابنه: "إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا".
3- تدرب على أنك حين تعود إلى العمل، أن تعود بروحك لا بجسدك فقط..
فلا تجعل العمل عقوبة، بل اجعله جزءًا من تعافيك. حتى لو ذهبت وأنت لا ترغب، ابدأ بخطوات صغيرة. ضع هدفًا بسيطًا:
- أن أستيقظ باكرًا،
- أن أذهب لوقت قصير.
- أن أبتسم لزميل.
وستتفاجأ كيف تعود الحياة تدريجيًّا حين تتحرك ولو قليلاً إن شاء الله تعالى.
* همسة أخيرة للابن البار:
لن تُنسى والدتك، ولن يتوقف قلبك عن الحنين.. لكنّك تستطيع أن تُحبها اليوم بأن تحيا لها لا أن تموت معها. اجعل كل خير تفعله صدقة جارية لروحها، وكل إنجاز تكتبه في دفاتر الدنيا، يُكتب باسمها أيضًا.
دعائي لك: أن يُبدلك الله عن كل ألم راحة، وعن كل وحدة أنسًا، وعن كل فقد أملًا جديدًا.. وأن يجعل والدتك في أعالي الجنان، تُنادي لك من عليين: "اللهم اجزه عني خير ما جازيت ولدًا عن أمِّه".