الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
293 - رقم الاستشارة : 3371
22/11/2025
السلام عليكم، لدي صديقة تعاني منذ سنوات من رائحة عرق قوية، وعند محاولتي نصحها بطريقة عامة قالت إن جسمها لا يخرج منه أي رائحة، وأنها "أفضل من الآخرين" في هذا الجانب. هذا الإنكار مستمر منذ أكثر من 15 سنة، مما يسبب انزعاجًا لي وللآخرين في المناسبات الاجتماعية.
كيف يمكنني التعامل مع شخص ينكر وجود مشكلة واضحة اجتماعيًّا وصحيًّا؟ وما الطريقة المثلى لتقديم نصائح عن النظافة الشخصية أو الروائح بدون إحراجها أو إثارة غضبها؟ وكيف أحافظ على نفسي نفسيًّا وعاطفيًا دون الانزعاج المستمر؟
أهلاً بكِ غاليتي، ومرحبًا بثقتك في طلب المشورة.
سأجيبك بمنهج تربوي نفسي دقيق: وغالبًا ما أفضل أن أبدأ بفهم المشكلة.. وهنا سأشرحها من منظور نفسي واجتماعي:
آلية الإنكار الدفاعي
ما تصفينه من إنكار صديقتك لوجود رائحة عرق قوية يدخل – غالبًا – تحت ما يسمى في علم النفس بـ Defense Mechanism: Denial أي آلية الإنكار الدفاعي.
فالإنكار هنا لا يكون عنادًا فقط، بل غالبًا آلية نفسية لاشعورية تحمي الإنسان من الشعور بالنقص أو الحرج أو الخزي.
ولأن الأمر مستمر منذ أكثر من 15 سنة، فغالب الظن أنها كوّنت ما يسمى Self-Image Rigidity أي صورة ذاتية صلبة يصعب عليها الاعتراف لمن يخالفها.
كما أنّ موضوع الروائح والنظافة يرتبط لدى بعض الأشخاص بقضايا الحساسية النفسية الشديدة؛ لأنّه يمسّ الكرامة الشخصية، لذلك قد يثير إنكارًا وغضبًا بمجرد التلميح. فمن المهم أن نفهم أن ردّها ليس رفضًا لكِ شخصيًّا، بل حمايةً لنفسها من مشاعر مؤلمة.
كيف تتعاملين معها دون أن تجرحيها؟
١- اختاري أسلوب "الرعاية لا المواجهة"..
علم النفس الأسري ينصح باتباع أسلوب Supportive Communication أي (التواصل الداعم)، وليس المواجهة المباشرة. أي أن يكون الهدف حمايتها وليس انتقادها.
فمثلًا يمكنك القول: "يمكن بعض أنواع الأقمشة أو الحر ما يناسب جسمك".. أو "جربتِ نوع الديودرنت الجديد الفلاني؟ يقولون عليه أنه ممتاز"، هذا الأسلوب يُشعرها أنّ الأمر عام وليس اتهامًا مباشرًا.
٢- تجنّبي التكرار المباشر..
التكرار يرفع دفاعاتها النفسية، ويجعلها تتمسّك بالإنكار أكثر، فمرة واحدة كل فترة تكفي، وبأسلوب لطيف.
٣- استخدمي "التوجيه غير المباشر"..
حيث إنه من أنجح الأساليب التربوية، ويمكن تطبيقه عبر:
- الحديث عن منتج جديد "سمعتي عن مزيل العرق الطبيعي؟".
- ذكر تجربة شخصية: "كنت أعاني في الصيف، لكن هذا المنتج ساعدني".
- الإشارة إلى نصائح عامة في مجموعات أو مقاطع مخصصة.
بهذه الطريقة تتلقّى الرسالة دون الشعور أنها مستهدفة.
٤- كذلك اربطي النصيحة بالرفق..
فالنبي ﷺ قال: «إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلّا زانَه»؛ فالرفق هنا يزيد نصيحتك قبولًا، ويقلّل احتمال مقاومتها لها.
كيف تحمين نفسك نفسيًّا وعاطفيًّا من الانزعاج؟
وهنا الجزء الأهم، لأن المشكلة تزعجك منذ سنوات.
١- اعرفي "حدودك العاطفية":
فهناك مفهوم في علم النفس يسمي: Emotional Boundaries (الحدود العاطفية)، ومعناه ألا أحمّل نفسي مسؤولية تصرّفات الآخرين.
فأنت لستِ مسؤولة عن حلّ المشكلة، بل مسؤولة فقط عن أسلوبك أنتِ في التعامل معها.
ذكّري نفسك دائمًا: "أنا أقوم بواجبي بالنصح، والباقي ليس ضمن نطاق قدرتي".
٢- قُلّلي الاحتكاك في المواقف المزعجة:
من حقك –دون إحساس بالذنب– أن تقلّلي وجودك في المناسبات المغلقة إن كانت الرائحة تضايقك. وهذا للحفاظ على صحتك وسلامتك النفسية.
٣- حافظي على علاقتك بصديقتك في الجوانب الإيجابية:
فقد تكون صديقة طيبة ذات خلق كريم في جوانب كثيرة. فلا تجعلي هذه المشكلة تُغطي على كل الصورة.
٤- درّبي نفسك على "عدم التقييم اللحظي":
أي كلما شعرت بالانزعاج، استخدمت تقنية Cognitive Reframing (إعادة التفسير أو إعادة لصياغة الإدراك)، وذلك بالتماس الأعذار لها، كأن تقولي: "هي لا تقصد، ولعلّ لديها مشكلة طبية أو نفسية لا تستطيع مواجهتها"، فهذا يخفّف الضغط النفسي عليك.
كيف توازنين بين النصيحة واللطف؟
- قدّمي النصيحة حين يكون: الجو هادئًا.. العلاقة منسجمة بينكما..
والحديث يكون بينكما وحدكما، على أن يكون: دون مقارنة أو دون اتهام، فقولي مثلًا: "أحبك وأحرص عليك، وفي بعض الأحيان أحسّ أن نوع المزيل أو نوع القماش يسببلك مشكلة… وقررت أنبهك لأنك غالية عليّ".
هذه الجملة تجمع بين: الرفق – الستر – الحكمة – الشعور الداعم.
وأخيرًا، أؤكد لك بضرورة أن تحافظي على نفسك، وأن تكوني لطيفة مع نفسك كما أنتِ لطيفة معها.
ولقد قدّم النبي ﷺ قاعدة ذهبية: «الدِّينُ النَّصيحة»، لكن النصيحة لا تعني الضغط، بل الرحمة والستر والرفق.
* همسة أخيرة:
أنتِ قمتِ بما عليكِ، وما تبقّى فهو بين الإنسان وربه، وليس واجبًا عليكِ إصلاحه بالكامل.
روابط ذات صلة: