الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
15 - رقم الاستشارة : 6058
10/10/2026
كيف يمكن حماية الممارسات المالية الإسلامية الحديثة (كالتورق المصرفي والمرابحة الآمرة بالشراء) من التحول إلى مجرد شكليات أو صَوريات عند تطبيقهما عبر شبكات التوثيق الرقمي والذكاء الاصطناعي؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، المعاملات
المالية الإسلامية وُضعت لتحقيق مقاصد الشريعة في تداول الثروة بالعدل، وتحريك
ميزان الاقتصاد الحقيقي بعيدًا عن المعاملات الوهمية. وفي العصر الحديث، ومع تطور
أدوات العمليات المالية ودخول التوثيق الرقمي والذكاء الاصطناعي، برز تحدٍّ كبير
يتمثل في "الصورية"؛ حيث تتخذ المعاملة شكل البيع والشراء ظاهرًا، بينما
تؤول في حقيقتها إلى التمويل الربوي. وحماية هذه المعاملات يتطلب إخضاع التقنية
لأحكام الشريعة ومقاصدها، لا تطويع الشريعة لأحكام التقنية.
اختصارًا:
لحماية
التورق المصرفي والمرابحة للآمر بالشراء من الصورية عند استخدام الذكاء الاصطناعي
والتوثيق الرقمي، يجب برمجة العقود الذكية والأنظمة الآلية بحيث لا تُنفذ المعاملة
إلا بعد تحقق "القبض" الحقيقي أو الحكمي المعتبر شرعًا، وتوثيق انتقال
الملكية العينية، وضمان دخول السلعة في ضمان البائع قبل بيعها للمشتري. ويمنع
استخدام أدوات البرمجيات الحديثة لتوثيق عمليات وعقود وهمية على سلع لا وجود لها
أو سلع تدور في حلقة مغلقة بين أطراف المعاملة دون غرض شرعي صحيح.
وتفصيلاً:
تعريف
موجز للمعاملات الواردة في السؤال:
المرابحة
للآمر بالشراء: هي أن يطلب العميل من المصرف شراء سلعة محددة، واعدًا
إياه بشرائها منه بعد تملكه لها. فيقوم المصرف بشرائها وقبضها، ثم يبيعها للعميل
بثمن آجل يضم رأس المال وربحًا معلومًا متفقًا عليه.
التورق
المصرفي المنظم: هو أن يشتري العميل سلعة من المصرف بثمن آجل، ثم يوكل
المصرف نفسه أو شركة تابعة له ببيع هذه السلعة لطرف ثالث بثمن حال حاضر للحصول على
السيولة النقدية.
بيان
الصور الواقعية المحرمة شرعًا التي تتسمى بهذه المسميات
الصور
المحرمة في المرابحة:
المرابحة
الصورية: بأن يقوم المصرف بدفع ثمن السلعة للتاجر مباشرة بناءً على طلب العميل، ثم يطالب
العميل بسداد الثمن بزيادة ربح، دون أن تدخل السلعة في ملك المصرف وضمانه. هذا في
حقيقته قرض بفائدة.
والصورة
الثانية: بيع المصرف للسلعة للعميل قبل أن يقبضها المصرف القبض المعتبر شرعًا.
الصور
المحرمة في التورق المنظم الصوري:
· أن تكون السلع كمعادن بورصة لندن مجرد
قيود دفترية أو أرقام شاشات ليس لها وجود حقيقي، أو لا يُسمح للعميل بتاتًا
بقبضها.
· التورق العكسي أو التورق المنظم الذي
حسم مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي تحريمه في قراره
رقم 179 19/5، معللاً ذلك بأنه يتضمن "التواطؤ صراحةً أو ضمنًا على ترتيب
المعاملة، بحيث يعود النقد إلى المستورق، والزيادة للممول، وهذا هو الربا
المحرم".
ثالثًا:
دور التوثيق الرقمي والذكاء الاصطناعي وعلاقته بهذه المعاملات
يمكن
للتقنية أن تكون أداة لتكريس الصورية أو أداة للقضاء عليها، وذلك بناءً على
تصميمها:
خطر
التقنية تكريس الصورية: يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينفذ ملايين
العمليات من "البيع والشراء والتوكيل" في أجزاء من الثانية عبر شبكات
رقمية لسلعة واحدة تدور بين المصرف والعميل وطرف ثالث لإنتاج "نقد حال ودين
آجل" دون أي انتقال حقيقي لملكية أو تحمل لضمان، وهذا يجعل الصورية أسرع
وأعمق.
من
طرق الحماية استخدام التقنية لتحقيق المقاصد:
الربط
بالأصول الحقيقية: يجب أن تعتمد شبكات التوثيق الرقمي على التعامل على سلع حقيقية
موجودة في مستودعات فعلية. ولا يسمح النظام بإتمام العقد التالي إلا بعد تحقق
السجل الرقمي الموثق بانتقال الملكية.
برمجة
العقود الذكية بالضوابط الشرعية: تُبرمج البرمجيات بحيث لا تسمح للمصرف ببيع
السلعة في المرابحة إلا بعد مرور مدة زمنية تؤكد القبض، أو توثيق انتقال ضمان
التلف إلى المصرف. وفي التورق، يُبرمج النظام ليمنع بيع السلعة لنفس البائع الأول
منعًا للعينة، ويُعطي العميل خيارًا حقيقيًّا قابلاً للتنفيذ بقبض السلعة وتوصيلها
إليه إذا أراد، بدلاً من التوكيل التلقائي.
الشفافية
الخوارزمية للجان الرقابة الشرعية: توفير لوحات تحكم تعمل بالذكاء الاصطناعي
للهيئات الشرعية للتدقيق الآني على الصفقات، للتأكد من عدم وجود تدوير وهمي للسلع.
الأدلة
والنصوص الشرعية:
قوله
تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. فالشريعة
تنظر إلى حقيقة العقد لا إلى اسمه.
قول
النبي ﷺ لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وهذا
أصل في منع المرابحة قبل تملك المصرف للسلعة.
نهي
النبي ﷺ عن «ربح ما لم يُضمن» رواه أبو داود. وهو أصل في تحريم أخذ ربح في
المرابحة دون تحمل المصرف لتبعة هلاك السلعة قبل تسليمها للعميل.
القواعد
الفقهية الحاكمة في أثر الذكاء الاصطناعي على صورية معاملات المصارف الإسلامية:
العبرة
في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني: هذه القاعدة هي
الفيصل في الحكم على العقود الصورية المبرمة عبر الشبكات الرقمية، فإذا كان القصد
هو مجرد التمويل النقدي بزيادة دون قصد تداول السلعة حقيقة، فالعقد ربوي باطل وإن
سُمي مرابحة أو تورقًا.
الخراج
بالضمان: لا يستحق المصرف الربح في المعاملات الرقمية إلا إذا دخلت السلعة في ضمانه فترة من
الزمن قبل انتقالها للمشتري؛ بحيث لو هلكت تهلك في ضمانه.
كل
قرض جر نفعًا فهو ربا: وتُطبق على المرابحات والتورقات التي
يتجرد فيها البنك من كل مخاطر التجارة، ويتحول العقد الرقمي فيها إلى مجرد غطاء
لتمرير القرض بزيادة.
الضرر
يزال: ويشمل ذلك الضرر الاقتصادي الناشئ عن تضخم الديون من خلال عمليات التورق الوهمي
التي تخلق ديوناً أضعاف حجم الأصول الحقيقية الموجودة في الاقتصاد. والله تعالى
أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
استخدام الذكاء الاصطناعي في التداول الآلي.. الضوابط والمحاذير
معاملة "التداول عالي التردد" في ميزان الحكم الشرعي