حكم فرض رسوم إدارية عند البيع بالتقسيط

Consultation Image

الإستشارة 30/06/2026

اشتريت غسالة عبر تطبيق يعلن عن "تقسيط بسعر الكاش وبدون أي فوائد"، لكن عند الدفع تفاجأت بأنهم يفرضون "رسوماً إدارية ثابتة" قيمتها 10% تُدفع مرة واحدة مع القسط الأول كعمولة لتشغيل الخدمة؛ فهل هذا البيع جائز أم أن هذه الرسوم تعتبر حيلة على الربا؟

الإجابة 30/06/2026

الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، هذا التساؤل مهم جدًّا ويمسّ واقع المعاملات المالية الحديثة التي يكثر فيها اللبس، والأصل في العقود والمعاملات الإباحة والحل، لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} غير أن الشريعة الإسلامية وضعت ضوابط دقيقة للبيوع تضمن خلوّها من الجهالة، والغرر، والربا، أو الشبهات المؤدية إليه.

 

ومن الصور الحديثة التي ظهرت مع انتشار المنصات وتطبيقات البيع بالتقسيط ما يُسمى بـ "التقسيط بسعر الكاش بدون فوائد"، مع فرض "رسوم إدارية" مقطوعة عند التعاقد، وهو ما يتطلب فحصًا فقهيًّا دقيقًا لبيان طبيعة هذه الرسوم ومدى توافقها مع الضوابط الشرعية.

 

اختصارًا: اشتراط رسوم إدارية بنسبة مئوية مثل 10% من قيمة السلعة أو القرض في بيع التقسيط لا يجوز شرعًا، وتعتبر هذه المعاملة حيلة على الربا؛ لأن الرسوم الزائدة في المعاملات المالية لا تجوز إلا إذا كانت تعبر عن التكلفة الفعلية الحقيقية للأعمال الإدارية مثل أجور الموظفين، قيمة الأوراق، والاتصالات.

 

أما ربط الرسوم بنسبة مئوية، أو تضخيمها لتبلغ 10% من قيمة السلعة، فهو يعني أن الزيادة أصبحت في مقابل الأجل الزمن وليس مقابل التكلفة الإدارية، وهذا هو حقيقة الربا وإن سُمي بغير اسمه.

 

وبناءً عليه، فإن هذا البيع بهذه الشروط غير جائز، ويغني عن هذا البيع بالتقسيط الذي أباحته دور الإفتاء وكثير من العلماء المعاصرين، ويكون للسلعة سعر خاص للتقسيط فهذا أولى وأيسر.

 

وتفصيلاً: لم تكن "الرسوم الإدارية" بمسماها المعاصر موجودة قديمًا، ولكن الفقهاء قعّدوا لـ "كل زيادة مشروطة في مقابل الأجل أو الخدمة"، وتوافق العلماء حديثاً عبر المجامع الفقهية على ضبط هذه الرسوم تجنبًا للوقوع في الربا:

 

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي:

 

عدّ المجمع الرسوم الإدارية الزائدة عن الحد الفعلي بمثابة ربا صريح، وجاء في قراره رقم 13 1/3 بشأن تطبيق المصاريف الإدارية ما نصّه:

 

"أولاً: يجوز أخذ أجور عن خدمات القروض على أن تكون في حدود النفقات الفعلية. ثانيًا: كل زيادة على النفقات الفعلية محرمة؛ لأنها من الربا المحرم شرعًا". وفي قرار آخر للمجمع رقم 65 3/7 أكد على أن: "الرسوم لا يجوز أن تُربط بمبلغ القرض أو السلعة على شكل نسبة مئوية، بل يجب أن تكون مبلغًا مقطوعًا يعادل التكلفة الفعلية".

 

الهيئة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية AAOIFI:

 

نصت المعايير الشرعية الصادرة عن الهيئة في "المعيار الشرعي رقم 19 بشأن القرض" و"المعيار رقم 8 بشأن المرابحة" على ما يلي:

 

"لا يجوز تحميل العميل أو المقترض أي نفقات تزيد عن التكاليف الفعلية المباشرة التي يتكبدها المصرف أو المؤسسة، وربط هذه النفقات بحجم القرض أو السلعة كنسبة مئوية يخرجها عن شبهة التكلفة الفنية إلى حيز الفائدة الربوية المحرمة".

 

فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:

 

سُئلت اللجنة الدائمة عن شركات تأخذ نسبة مئوية مقابل إدارة القروض أو عمليات التقسيط، فجاء في فتاوى اللجنة المجلد 13، صفحة 352:

 

"إذا كانت النسبة المأخوذة تزيد عن التكلفة الفعلية للأوراق والمعاملات، أو كانت ترتفع بارتفاع المبلغ، فإنها زيادة غير مشروعة، وتعد من ربا الجاهلية، فالأسماء لا تغير الحقائق، وتسمية الفائدة الربوية رسومًا إدارية لا يخرجها عن التحريم".

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

يستند الحكم ببطلان وتحريم هذه المعاملة إلى عدة قواعد فقهية مستقرة، منها:

 

• قاعدة "العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني": فالعبرة بحقيقة المعاملة وليست بالاسم الذي يطلقه التطبيق "تقسيط بسعر الكاش" أو "رسوم تشغيل الخدمة". الحقيقة هنا أن هناك زيادة مالية 10% تم اشتراطها لدفع الثمن مؤجلاً، وهذا يؤول إلى الربا.

 

• قاعدة "كل قرض جر نفعًا فهو ربا": وعلى الرغم من أن هذه المعاملة بيع بالتقسيط، فإن الوسيط أو التطبيق عندما يدفع عنك ثمن الغسالة كاش، ثم يتقاضى منك المبلغ مقسطًا بزيادة 10%، فإنه ينقلب في الحقيقة إلى "قرض بزيادة"، والزيادة هنا تمثلت في الرسوم الإدارية المبالغ فيها.

 

• قاعدة "الوسائل لها أحكام المقاصد": الأصل أن الرسوم الإدارية وسيلة لتغطية مصاريف التشغيل، فإذا استُغلت هذه الوسيلة لتصبح منفذًا لتحقيق ربح من أجل التحصيل المؤجل، أخذت حكم المقصد المحرم، وهو الربا. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

الرسوم الإدارية على القروض الصغيرة ضرورة أو ربا محرم؟

رسوم التحصيل.. تعريفها وحكمها وضوابطها

الرابط المختصر :