الرسوم الإدارية على القروض الصغيرة ضرورة أو ربا محرم؟

Consultation Image

الإستشارة 25/06/2026

ما هو التكييف الفقهي المعاصر لـ "التمويل متناهي الصغر" الذي تمنحه الجمعيات الأهلية للنساء أو الشباب لبدء مشاريعهم، خاصة إذا صاحبتها رسوم إدارية مقطوعة، وهل تدخل في باب الربا؟

الإجابة 25/06/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن الشريعة الإسلامية حريصة على فتح أبواب الرزق الحلال وتيسير السبل أمام الشباب والنساء لبدء مشاريعهم التنموية؛ تحقيقًا لإعمار الأرض والكسب الشريف. ومن النوازل الاقتصادية المعاصرة ظهور ما يُعرف بـ "التمويل متناهي الصغر" الذي تقدمه الجمعيات الأهلية والمؤسسات التنموية.

 

وحيث إن هذه التمويلات قد تصاحبها رسوم تُسمّى "رسومًا إدارية"، فإن النظر الفقهي يقتضي فحص هذه الرسوم ومقاديرها وكيفية احتسابها، لبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود بين العقود التنموية المشروعة والقروض الربوية المحرمة؛ إذ إن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.

 

اختصارًا: يأخذ التمويل متناهي الصغر أحد تكييفين:

 

1. قرض حسن: إذا كان الهدف منه الإرفاق وتسترد الجمعية أصل المبلغ فقط دون أي زيادة أو تربح.

 

2. تمويل استثماري (مرابحة أو مشاركة): إذا قامت الجمعية بشراء الأدوات والمعدات للمشروع بنفسها ثم باعتها للمستفيد بالتقسيط بربح معلوم.

 

ويجوز للجمعيات الأهلية فرض رسوم إدارية مقطوعة بشرط أن تكون مساوية للتكلفة الفعلية الحقيقية المترتبة على إصدار التمويل ومتابعته مثل الأوراق، أو دراسة جدوى ميدانية، أو اتصالات.

 

• هل تدخل في باب الربا؟

 

O لا تدخل في الربا: إذا كانت الرسوم مبلعًا مقطوعًا ثابتًا يعكس المصاريف الفعلية للدراسة والمتابعة، ولا يتغير بتغير مبلغ التمويل أو مدة سداده.

 

O تدخل في الربا المحرم: إذا صيغت الرسوم في شكل نسبة مئوية متغيرة من قيمة التمويل مثل 5% من القرض، أو إذا كانت تزيد بزيادة فترة السداد؛ لأنها حينئذٍ تكون زيادة مشروطة على رأس المال.

 

آراء العلماء قديمًا وحديثًا:

 

تأسس النظر الفقهي في هذه المسألة بناءً على أصل حكم "أجرة القرض وتكلفته" قديمًا، وما استقر عليه الاجتهاد الجماعي حديثًا:

 

1. تأصيل الفقهاء قديمًا في تحمل كلفة القرض

 

فرق الفقهاء قديمًا بين الزيادة التي تعود بنفع مالي للمقرض وهي ربا، وبين المصاريف والخدمات التي يتكلفها عقد القرض ويتحملها المقترض لحاجة تخصه.

 

• جواز تحمل المقترض نفقات توثيق القرض أو كيله:

 

جاء في قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام: «تجب أجرة الكيال والوزان على من عليه الدين؛ لأن توفية الدين واجبة عليه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».

 

• المنع من أي شرط يجر نفعًا ماليًّا للمقرض:

 

جاء في المغني لابن قدامة: «وكل قرض شرط فيه زيادة فهو حرام، بغير خلاف... لأن القرض عقد إرفاق وقربة، فإذا شرطت فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه».

 

2. آراء الهيئات والمجامع الفقهية حديثًا

 

اتفقت الهيئات الفقهية المعاصرة على جواز أخذ الرسوم الإدارية بشروط مشددة نفيًّا لشبهة الربا:

 

• قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي: أصدر المجمع قراره رقم 13 (2/10) و13 (1/3) بشأن أجور خدمات القروض في البنك الإسلامي للتنمية، وجاء فيه:

 

«أولاً: يجوز أخذ أجور عن خدمات القروض، على أن يكون ذلك في حدود النفقات الفعلية.

 

ثانيًا: كل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة؛ لأنها من الربا المحرم شرعًا».

 

• المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI):

 

جاء في المعيار الشرعي رقم (19) بشأن القرض:

 

«يجوز للمؤسسة المقرضة أن تأخذ على خدمات القروض ما يعادل مصروفاتها الفعلية المباشرة، ولا يجوز لها أخذ زيادة عليها... ويجب أن تكون الأجرة مقطوعة لا ترتبط بمبلغ القرض أو مدته».

 

•  دائرة الإفتاء العام الأردنية: في فتواها رقم (550) لعام 2006م حول الرسوم الإدارية المفروضة كأرقام مقطوعة:

 

«إذا كان هذا المبلغ مقطوعًا ومساويًا للتكلفة الفعلية للأوراق والمعاملات فلا حرج، أما إذا كانت النسبة ترتفع بارتفاع القرض فهي فائدة ربوية مغطاة باسم الرسوم».

 

القواعد الفقهية الحاكمة

 

تتحكم في هذه المعاملة عدة قواعد فقهية تضبط التمييز بين النفقات المشروعة والربا

 

قاعدة "كل قرض جر منفعة فهو ربا":

 

النفع المقصود هنا هو النفع المالي الزائد للمقرض فإذا كانت الرسوم الإدارية المقطوعة تُدفع لموظفين خارجيين أو لتغطية كلفة المطبوعات والانتقالات الميدانية لمعاينة المشروع دون أن تتربح منها الجمعية، فلا تُعد منفعة للمقرض، بل هي كلفة محضة يتحملها المستفيد لتمام معاملته.

 

قاعدة "العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني":

 

تسمية الزيادة المشروطة باسم "رسوم إدارية" أو "مصاريف تشغيل" لا يخرجها عن كونها ربا إذا كانت تحتسب كنسبة مئوية من رأس المال؛ فالأسماء لا تغيّر حقائق العقود.

 

قاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب":

 

تقديم التمويل ومتابعته لضمان نجاح مشروع الشباب أو النساء يتطلب عملاً إداريًّا، وبما أن استمرار الجمعية في الإقراض التنموي واجب مصلحي لا يتم إلا بتغطية هذه المصاريف الأساسية، جاز تحميلها للمقترض بمقدارها الفعلي دون زيادة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

رسوم التحصيل.. تعريفها وحكمها وضوابطها

الرابط المختصر :