الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
225 - رقم الاستشارة : 5369
21/07/2026
هناك شركة وسيطة بين شركات التأمين والصيدليات التي تصرف العلاج مهمة هذه الشركة الوسيطة أنها تشتري فواتير العلاج من الصيدلية وتدفع ثمنها حالا، ثم تتقاضى قيمتها من شركة التأمين بعد فترة في مقابل عمولة تمثل نسبة مئوية من قيمة الفاتورة فهل يعد هذا من باب بيع الدين المنهي عنه أم معاملة جائزة أفتونا مأجورين
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وقد فرض التطور
المعاصر في القطاع الصحي والمالي أشكالاً متعددة من الوساطة والخدمات المالية بين
الصيدليات وشركات التأمين لتسهيل التدفقات النقدية، وهو ما يتطلب تكييفًا فقهيًا
دقيقًا ينفذ إلى جوهر المعاملة وحقيقتها المالية، ولا يقف عند ظواهر المصطلحات كـ
"العمولة" أو "شراء الفواتير".
اختصارًا: هذه المعاملة بكيانها وصورتها المذكورة محرمة وغير جائزة شرعًا؛ لأنها
تُعدّ صورة من صور «خصم الديون» أو ما يُعرف حديثًا بـ «التخصيم» وهو بيعٌ الدين
المؤجل مقابل نقد حالّ أسرع، مع اقتطاع عمولة بنسبة مئوية من قيمة الدين، وهذا
يحول المعاملة إلى مبادلة مال بمال مع التفاضل والتأجيل، وهو عين ربا الفضل
والنسيئة، وهو في حقيقته قرضٌ بفائدة قدمته الشركة الوسيطة للصيدلية واسترجعت أصله
وزيادة العمولة المقتطعة من شركة التأمين.
وتفصيلاً:
موقف الفقهاء من بيع الدين لغير المدين
اتفق عامة الفقهاء على أن الدين المستقر في الذمة إذا
بيع بنقد من جنسه كالدرهم بالدرهم أو الريال بالريال، وجب فيه التماثل والتقابض،
ولا يجوز بيعه بأقل من قيمته أو بأكثر منها، ولا تأجيل قبضه تجنبًا للربا.
الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله - كتاب
المغني 4/37:
"فأما بيع الدين لغير من هو عليه فإن كان بدينار أو
درهم وكان الدين دراهم أو دنانير، لم يجز بغير خلاف؛ لأنه بيع مال بربا مع عدم
التماثل والتقابض، وهو عين ربا النسيئة والفضل".
الإمام النووي الشافعي رحمه الله - المجموع شرح المهذب
9/270:
"بيع الدين لغير من هو عليه بالنقد يحرم إذا اشتمل
على التفاضل أو عدم التقابض في مجلس العقد؛ لأن القواعد الشرعية في الصرف ومبادلة
الأموال الربوية تقتضي التماثل والحلول".
2. القرارات والاعتمادات الصادرة عن المجامع الفقهية
المعاصرة
حسمت المجامع الفقهية والمؤسسات الشرعية المعاصرة حكم
شراء الفواتير أو خصم الديون مقابل نسبة مئوية، ومنها:
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون
الإسلامي:
جاء في القرار رقم 64 2/7 بشأن «خصم الأوراق التجارية»
والفواتير: "إن خصم الأوراق التجارية بأن يدفع الحامل ورقة مؤجلة لطرف آخر
ليقبض قيمتها نقدًا مطروحًا منها نسبة مئوية تسمى خصمًا غير جائز شرعًا؛ لأنه يؤول
إلى بيع نقد بنقد مع التفاضل والتأجيل، وهو الربا المحرم".
المعايير الشرعية للهيئة العالمية للمحاسبة والمراجعة
للمؤسسات المالية الإسلامية AAOIFI:
جاء في المعيار الشرعي رقم 16 بشأن «التخصيم»: "لا
يجوز تخصيم الديون ببيع الديون الآجلة للعملاء أو الصيدليات أو غيرهم إلى شركة
التخصيم بنقد حالّ أقل من قيمتها الاسمية، أو بدفع قيمتها نقدًا مقدمًا مع اقتطاع
عمولة تتناسب مع حجم الدين أو أجله؛ لأن ذلك من الربا المحرم شرعًا".
فتاوى هيئة كبار العلماء ودار الإفتاء:
أفتت بأن إعطاء الصيدلية أو التاجر سيولة فورية مقابل
الاستحواذ على فواتيره الآجلة وتنسيق اقتطاع نسبة مئوية كـ "أجر خدمة"
أو "عمولة" يتناسب مع قيمة الفاتورة هو حيلة ربوية صريحة؛ إذ إن أجر
الخدمة الحقيقي يجب أن يكون مقطوعًا يغطي التكلفة الفعلية للخدمة الإدارية دون ربط
بنسبة الدين أو أجله.
البديل الشرعي المباح لهذه المعاملة
لتصحيح هذه المعاملة وضمان جريانها وفق الشريعة
الإسلامية، يمكن استخدام أحد الأساليب التالية:
الوكالة بأجر مجردة دون تعجيل النقد:
تتولى الشركة الوسيطة تحصيل الفواتير من شركة التأمين لصالح
الصيدلية بصفتها «وكيلاً بالتحصيل»، وتتقاضى مقابل ذلك أجرًا مقطوعًا أو نسبة
مئوية محددة من المبلغ المحصل، بشرط ألا تدفع الشركة الوسيطة أي أموال فورية أو
تعجيل للسيولة للصيدلية قبل تحصيلها فعليًّا من التأمين.
الخصم المباشر من الصيدلية لصالح التأمين ضع وتعجلَّ:
أن تمنح الصيدلية لشركة التأمين نفسها خصمًا مباشرًا
تعجيلاً للدفع، دون إدخال طرف ثالث يشتري الدين.
القواعد الفقهية الحاكمة
قاعدة: «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ
والمباني»
تسمية الفارق بـ "عمولة" أو "رسوم
خدمة" لا يغير من حقيقة العملية المالية، وهي تقديم سيولة نقدية عاجلة
لاستيفاء مبلغ أكبر منها آجلاً، وهو الربا المنهي عنه.
قاعدة: «كل قرض جر نفعًا فهو ربا»
دفع الشركة الوسيطة لقيمة الفاتورة نقدًا للصيدلية يُعد
في التكييف الشرعي قرضًا تُسترد قيمته لاحقًا من التأمين مع أخذ زيادة العمولة
المقتطعة، وأي نفع مالي مشروط في القرض فهو ربا.
قاعدة: «الوسائل لها أحكام المقاصد»
شراء الفواتير الآجلة بنقد حالّ متفاضل وسيلة تتخذ ذريعة
للوصول إلى فائدة القرض، فتأخذ حكم المحرم إغلاقًا لأبواب الربا.
قاعدة: «نهي النبي ﷺ عن سلف وبيع / جمع عقدين معاوضة
وقرض»
الجمع بين تقديم السيولة النقدية وهو القرض وبين اشتراط
عقد معاوضة أو عمولة وساطة يفسد المعاملة شرعًا. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
هدايا الشركات والمعامل للأطباء باب فساد أم ترويج مشروع؟