نواقص الأدوية للقادر أم للمعدم؟!.. ميزان العدالة المقلوب

Consultation Image

الإستشارة 09/07/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا الفاضل، جزاكم الله خيرًا على نشر العلم واسأل الله أن ينفع بكم،

في سوق الدواء يوجد أحيانا في بعض الوقت (أدوية نواقص) بمعنى أن الكميات المتوفرة من المنتج تكون قليلة في السوق وقد يوجد من صنف ناقص في صيدلية عبوة أو عبوتين فيقوم الصيدلي بإخفاء هذه الأصناف بعيدًا عن نظر العملاء وقد يقوم ببيعها فقط لرواد الصيدلية المتكررين أو عند وجود الصنف في روشتة أو تكرار لعميل يأخذ أدوية بقيمة عالية.

للعلم شيخنا قد تكون هذه الأدوية حيوية مثل ادوية القلب والسكري، وقد تكون غير حيوية مثل مسكن عادي، وأحيانا قد يكون لها مثيل من شركة أخرى وأحيانا لا.. فما حكم هذا التصرف من الصيدلي؟

الإجابة 09/07/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن هذا التساؤل ليمسّ جُرحاً حيًّا في واقع القطاع الصحي، ويتجاوز مجرد معاملات البيع والشراء ليلامس جوهر الإنسانية، والأمانة الطبية، وحقوق الضعفاء والمضطرين في أوقات الأزمات، وإن مهنة الصيدلة حقيقتها "خلافة في الرحمة"، ومهمة الصيدلي تتجلى في أبهى صورها وقت الأزمات ونقص الأدوية، ففي الوقت الذي يرى فيه التاجر الجشع في الأزمة فرصة لتعظيم أرباحه وولاء عملائه الأغنياء، يرى فيها الصيدلي بابًا للتقرب إلى الله بغوث الملهوفين وجبر خواطر المرضى الضعفاء.

 

وإن إخفاء الأدوية الحيوية كأدوية القلب والسكري في أوقات الندرة، واشتراط بيعها لأصحاب "الفواتير العالية" أو لرواد الصيدلية الدائمين فقط، مع حرمان الغريب أو الفقير المنقطع الذي لا يملك رفاهية التنقل بين الصيدليات، هو مسلك يتأرجح بين الغبن والاحتكار المحرم، ويتنافى مع المروءة والواجب الإنساني والمهني.

 

يظلم الطبيب والصيدلي نفسيهما، ويظلمهم قبل ذلك مجتمعهم، حين يحولهم إلى مجرد تجار، وما ينبغي لأحدهما أن يكون تاجرًا، لكنهم بشر في نهاية الأمر وليس من العدل أن نلقي على عاتقهم وحدهم إصلاح الكون، ولا أن يحاربوا بمفردهم منظومات معقدة ومتشابكة، ولكنهم حقًّا على ثغر عظيم، وبين أيديهم أمانة ثقيلة أسأل الله أن يعينهم عليها.

 

اختصارًا: إخفاء الصيدلي للأدوية الناقصة في السوق وتخصيصها لفئة معينة من العملاء الأغنياء أو الأكثر شراءً محرم شرعًا وبشدة في الأدوية الحيوية والمنقذة للحياة كأدوية القلب والسكري والضغط التي لا يوجد لها مثيل، لما في ذلك من الاحتكار المحرم، والإضرار بحياة الناس، وظلم الضعفاء والفقراء، {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.

 

أما في الأدوية غير الحيوية كالمسكنات العادية أو التي لها مثيل متوفر ومطابق تمامًا في الفعالية والسعر، فالأمر فيه سعة، ويجوز للصيدلي تنظيم بيعها لعملائه لضمان عدالة التوزيع، بشرط ألا يقصد استغلال حاجة الناس أو المساومة عليها.

 

ويختلف الإثم والمسؤولية بحسب صفة الصيدلي:

 

الصيدلي صاحب الصيدلية: يتحمل المسؤولية كاملة أمام الله، وإثمه أعظم إن جعل معيار البيع هو "الربح المادي والمصلحة التجارية" على حساب حياة الفقراء.

 

الصيدلي العامل: الأصل أنه مأمور باتباع تعليمات الإدارة ما لم تأمره بمحرم قطعي كحبس دواء منقذ للحياة عن مريض يشرف على الهلاك، فعليه النصح والمحاولة، فإن أُجبر كان الإثم على صاحب العمل، ما لم يملك الصيدلي العامل صلاحية التصرف البسيط لجبر خاطر المضطر.

 

وتفصيلاً:

 

لقد تناول الفقهاء قديمًا وحديثًا مسألة حبس السلع وقت الحاجة والندرة تحت "باب الاحتكار" و"باب بيع المضطر"، وجاءت نصوصهم قاطعة في تحريم استغلال حاجة الناس.

 

التأصيل الفقهي لمنع الاحتكار وحق المضطر:

 

الاحتفاظ بالدواء الناقص ومنعه عن عامة المحتاجين وتخصيصه للأقوياء والأغنياء يدخل في عموم الاحتكار المحرم شرعًا. قال النبي : "لا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ" صحيح مسلم. والخاطئ في لغة الشرع هو الآثم العاصي.

 

وجاء في حاشية الروض المربع للشيخ النجدّي 4/515 في تعريف الاحتكار المحرم:

 

"هو اشتراء القوت ونحوه، وحبسه تضييقًا على الناس وعنتهم... وكل ما يحتاجه الناس من قوت، أو لباس، أو دواء، فاحتكاره محرم إذا أضر بالناس".

 

بل إن الفقهاء أوجبوا على من يملك سلعة حيوية أن يبيعها للمضطر بالثمن المعتاد ولا يجوز له حبسها عنه. يقول الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 29/246:

 

"من كان عنده طعام أو دواء يحتاج إليه الناس لحفظ أنفسهم، وجب عليه بذله بالقيمة العادلة، فإن امتنع؛ جاز للمستحق أخذه منه، ولولي الأمر إجباره على البيع؛ لأن مصلحة حفظ النفوس مقدمة على حرية المالك في ماله".

 

فتاوى معاصرة في نواقص الأدوية والتمييز بين المرضى:

 

أفتى العلماء المعاصرون بأن التمييز بين المرضى في تقديم الدواء بناءً على ملاءتهم المالية أو حجم مشترياتهم هو خيانة للميثاق الطبي.

 

فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:

 

سُئلوا عن حجب السلع وتخصيصها لزبائن معينين وقت الندرة لزيادة الولاء التجاري، فأجابوا بما معناه: إن السلعة إذا كانت مما تمس حاجة الناس إليها كالطعام والدواء، فإن حجبها عن عموم الناس وتخصيصها لخاصتهم بناءً على مصلحة التاجر دون مسوغ طبي أو شرعي كشدة فاقة المخصص له هو عمل محرم، وفيه إضرار بالمسلمين وتضييق عليهم.

 

فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين الشرح الممتع - كتاب البيع:

 

أكد الشيخ أن التفريق بين المشترين وقت الضيق بناءً على منافع شخصية للبائع لا يجوز إذا ترتب عليه ضرر بالآخرين، لقوله : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله". وحرمان مريض فقير جاء يبحث عن دواء قلبه، وإعطاؤه لعميل آخر لمجرد أنه يشتري بقيمة أعلى، هو خذلان للمسلم وظلم له.

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

قاعدة: "الضرر يُزال"

 

نقص أدوية الأمراض المزمنة كالقلب والسكري يسبب ضررًا محققًا على صحة المرضى. حبس الدواء في الأدراج الخلفية وإخفاؤه عن أعين الناس يزيد من هذا الضرر، والشريعة الإسلامية جاءت لإزالة الضرر لا لتعميقه من أجل مكاسب تجارية.

 

قاعدة: "الإيثار في القربات مكروه، وفي غيرها محبوب"

 

تقديم الصيدلي لدواء حيوي لغني لمجرد أنه عميل دائم، وحرمانه لفقير منقطع، هو قلب للموازين الشرعية. الأَوْلى بالرعاية في أوقات الأزمات هو الأكثر حاجة والأضعف حيلة، فالفقير لا يملك "رفاهية التنقيب" في السوق السوداء ولا دفع أسعارها الكاوية.

 

قاعدة: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"

 

وتنضبط بحديث: "إنما الطاعة في المعروف". فإذا أمر صاحب الصيدلية الصيدلي العامل بإخفاء دواء السكري عن فقير يراه الصيدلي أمامه يتألم أو يشرف على الخطر، فلا يجوز للصيدلي طاعته في هذا الموقف؛ لأن حفظ النفس معصية في تركه، ولا طاعة لمخلوق في إهلاك نفس محترمة.

 

كلمة أخيرة

 

إن المريض الذي يدخل إليك منكسر العين، يمسك بيده بضعة جنيهات، ويرد عليه الصيدلي بـ "غير موجود" وهو يعلم أن العلبة تقبع في الدرج الخلفي لزبون غني، هذا المريض يرجع وقلبه ينفطر، وقد يرفع يده إلى السماء في جوف الليل بدعوة تضر من ظلمه.

 

وإن التاريخ والواقع مليئان بقصص تجار وصيادلة "تاجروا مع الله" في الأزمات، فجبروا خواطر الضعفاء، فأدركهم الله بلطفه ورعايته في أحلك الظروف:

 

يُروى عن أحد الصيادلة الصالحين في أزمة نقص أدوية الأورام، جاءه رجل فقير يبكي يبحث عن جرعة لزوجته، وكانت لديه عبوة واحدة متبقية مخبأة لعميل دائم ومقتدر. نظر الصيدلي إلى انكسار الرجل الفقير، وقال في نفسه: "هذا لا حيلة له، أما الغني فيستطيع السفر أو الشراء من الخارج"، فخرج وأعطاه إياها بسعرها الرسمي بل وخصم له منها تفريجًا لكربته.

 

تمر الأيام، ويصاب ابن هذا الصيدلي الصالح بحادث سيارة مروع، وتنقلب السيارة مرات وتتحطم تمامًا حتى ظن الجميع أنه هلك. خرج الابن من جوف الحطام دون خدش واحد! ليعلم الأب الصيدلي يقينًا أن الله الذي يملك الحياة والموت قد جبر خاطره وحفظ ابنه في جوف الخطر؛ لأن الأب جبر خاطر ذلك الفقير يومًا ما. فصنائع المعروف تقي مصارع السوء.

 

فإذا رأى الصيدلي العامل مريضًا في حالة خطر حقيقي ملح، وأمره صاحب الصيدلية بالامتناع عن إعطائه الدواء، فلا طاعة له هنا، ويجوز له بل يجب عليه إنقاذ المريض، لأن إهلاك النفس محرم، وصاحب العمل لا يملك روح المريض. وفيما دون حد الهلاك، إن لم يستطع الصيدلي العامل مخالفة رغبة صاحب العمل بعد نصحه، فالإثم يقع على صاحب الصيدلية، والصيدلي العامل معذور لعدم ملكه القرار، شريطة ألا يتبرع من تلقاء نفسه بالكذب والتعمية ببرود، بل يظهر الأسف والاعتذار للمريض ويرشده لأقرب مكان قد يجد فيه بغيته. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

هدايا الشركات والمعامل للأطباء باب فساد أم ترويج مشروع؟

عمولات الترويج للصيادلة ما يحل منها وما يحرم

الرابط المختصر :