الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
92 - رقم الاستشارة : 5761
05/09/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اشتريت وحدة سكنية بالقسط وهذه الأقساط مجدولة وعند سدادي لقسط من الأقساط أخبرنا ممثل الشركة بوجود خصم 50% على القسط النهائي في حالة السداد المبكر والعرض يستمر لفترة محددة. فما حكم تطبيق الخصم في حالة السداد المبكر للديون المجدولة؟ وهل يمكنني التفاوض معه على طبيعة أو قيمة الخصم عندما يعرض الموظف عليها هذا الخصم؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، مسألة
خصم جزء من الدَيْن مقابل التعجيل بسداده من المسائل الفقهية الدقيقة التي بحثها
الفقهاء قديمًا تحت باب "ضَعْ وَتَعَجَّلْ"، كما تناولتها المجامع
الفقهية المعاصرة لضبط المعاملات المالية والتجارية للشركات والأفراد، بما يحقق
مقاصد الشريعة القائمة على الرفق والتيسير ومنع الشبهات.
اختصارًا:
تطبيق
الخصم على الدين المجدول في حالة السداد المبكر جائز شرعًا، بشروط ثلاثة:
1.
ألا يكون هذا الخصم مشروطًا مسبقًا في أصل عقد البيع بالتقسيط، بل يكون عرضًا جديدًا
طارئًا عند السداد.
2.
أن يكون عن تراضٍ بين طرفي العقد.
3.
وألا يدخل في المعاملة طرف ثالث يتولى الدفع مقابل النفع.
وبما
أن العرض قدمته الشركة لاحقًا كخيار اختياري للسداد المبكر، فيجوز لك الاستفادة
منه، كما يجوز لك التفاوض مع الموظف أو الشركة على قيمة الخصم أو نسبته، لأن حق
الدين والخصم منه مقابل التعجيل يرجع لطرفي العقد بالتراضي، طالما كان الإسقاط
طوعاً من الدائن دون مواطأة أو اشتراط سابق.
وتفصيلاً:
مسألة
"ضع وتعجل" هي من المسائل الفقهية المشهورة في باب المعاملات، وصورتها
أن يكون لشخص دين مؤجل على آخر، فيتفقان على أن يُسقط الدائن جزءًا من الدين مقابل
أن يعجل المدين له بقية الدين قبل حلول الأجل، كأن يكون له عليه عشرة آلاف مؤجلة،
فيقول له: أعطني ثمانية آلاف الآن وأبرئك من الباقي.
وقد
اختلف العلماء في حكم هذه المسألة على قولين رئيسيين:
القول
الأول: المنع
والتحريم فذهب جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي
وأحمد، إلى عدم جواز هذه المعاملة، واعتبروها شبيهة بالربا؛ لأن فيها حطًّا من
الدين مقابل تعجيله، فشُبِّهت بالزيادة في الدين مقابل التأجيل، وكلاهما عندهم من
الربا المحرم. واستدلوا بآثار عن بعض الصحابة كعمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن
عمر، وبحديث ورد عن النبي ﷺ في قصة المقداد: «أكلت ربا يا مقداد وأطعمت ربا»، إلا
أن هذا الحديث ضعيف الإسناد كما بيّن أهل الحديث.
القول
الثاني: ذهب
بعض العلماء إلى الجواز، وهو مروي عن ابن عباس من الصحابة، وإبراهيم النخعي من
التابعين، وزفر من الحنفية، وأبو ثور من الشافعية، واختاره ابن تيمية وابن القيم.
وعللوا ذلك بأن هذه المعاملة من باب الصلح، وفيها مصلحة للطرفين فالدائن يحصل على
ماله معجلاً، والمدين يُخفف عنه جزء من دَينه، ولا يوجد فيها زيادة مقابل الأجل بل
إسقاط لبعض الحق مقابل التعجيل، فهي عكس الربا. واستدلوا بما روي عن النبي ﷺ في
قصة بني النضير: «ضعوا وتعجلوا»، إلا أن الحديث أيضًا فيه ضعف في الإسناد، وقيل إن
القصة وقعت قبل تحريم الربا.
وقد
صدر عن مجمع الفقه الإسلامي قرار رقم: 64 (7/2) والذي يُجيز "الحطيطة من
الدين المؤجل لأجل تعجيله" ونصه:
"رابعًا:
الحطيطة من الدين المؤجل، لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين (ضع
وتعجل) جائزة شرعًا، لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق، وما
دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية. فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجز، لأنها
تأخذ عندئذ حكم حسم الأوراق التجارية.
القواعد
الفقهية الحاكمة في خصم بعض الأقساط مقابل الدفع الفوري:
قاعدة
"الأصل في المعاملات الإباحة والحل":
تصح
العقود والخصومات والتخفيضات المالية ما لم يرد دليل صريح يحرمها أو تشتمل على ربا
أو غرر.
قاعدة
"الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرّم حلالاً":
التنازل
عن جزء من الحق التجاري أو الدين بالتراضي للتيسير والتعجيل يُعدّ من باب الصلح
والتسامح المالي الجائز.
قاعدة
"التعليق على الشرط في التبرعات":
يعتبر
الخصم الصادر من الشركة بمثابة إسقاط أو هبة معلقة على شرط التعجيل، والتفاوض على
نسبة الخصم هو مفاوضة على قدر التبرع أو الإسقاط الجائز شرعًا. والله تعالى
أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: