الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 5178
29/06/2026
ما الحكم الشرعي في تصوير أشخاص وهم نائمون ثم إيقاظهم بشكل مفاجئ باستخدام المفرقعات أو الأصوات المرعبة بقصد إخافتهم، ثم نشر ردود أفعالهم على وسائل التواصل الاجتماعي من أجل الضحك وحصد المشاهدات؟ وهل يدخل ذلك في ترويع المسلم المنهي عنه شرعًا، خاصة مع احتمال أن يترتب عليه أذى نفسي أو صحي؟ كما نرجو التنبيه على خطورة نشر مثل هذه المقاطع لما قد تسببه من تشجيع الآخرين على تقليدها.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تجمع هذه النازلة بين صورتين في
التطبيق المعاصر، الصورة الأولى هي الجناية المباشرة بترويع الآمنين، والصورة
الثانية هي اصطناع المواقف الكاذبة عبر التمثيل لغرض التربح الرقمي، ولكل حالة
تكييفها الفقهي وحكمها الشرعي.
الشريعة الإسلامية جاءت لإرساء قيم الأمن والصدق، وصيانة الأنفس والأعراض
من كل ما يؤذيها في دينها أو أبدانها أو استقرارها النفسي. ومن النوازل السلوكية
المعاصرة التي أفرزتها الرغبة في الشهرة الرقمية وحصد المشاهدات والتربح: تصوير
مقاطع إيقاظ النائمين بالمفرقعات أو الأصوات المرعبة لإظهار ردود أفعالهم؛ وهي
ممارسة تتردد في الواقع بين حالتين: إما أن تكون ترويعًا حقيقيًّا غادرًا، وإما أن
تكون مشهدًا تمثيليًّا متفقًا عليه مسبقًا بقصد الإيهام والإضحاك.
وإن النظر الفقهي يستلزم تفصيل الحكم في كلتا الحالتين، مع بيان أثر النشر
الرقمي الذي يحول التصرف الفردي إلى نموذج عام يُغري العامة بالتقليد والمحاكاة،
مما يترتب عليه مفاسد صحية واجتماعية بالغة.
اختصارًا:
الحالة الأولى: والخاصة بالترويع الحقيقي، يحرم شرعًا غاية التحريم تصوير
الأشخاص وتخويفهم أثناء نومهم بالمفرقعات أو الأصوات المفزعة، ويُعد هذا الفعل
ترويعًا صريحًا للمسلم والآدمي منهيًا عنه نهيًا غليظًا، ويأثم فاعله ومصوره
وناشره، وهو ضامن لكل ما يتولد عنه من أذى نفسي أو صحي، والمال المكتسب منه سحت
ومحرم.
الحالة الثانية: والخاصة بكونه مشهدًا تمثيليًّا، فإذا كان المقطع تمثيلاً
باتفاق الأطراف، فهو يخرج عن وصف الترويع الحقيقي، لكنه يظل محرمًا وممنوعًا من
جهة النشر والبث؛ وذلك لاشتماله على الكذب والإيهام وتدليس الواقع على المشاهدين،
ولأنه يفتح باب الذريعة لتقليد هذا الفعل الخطير مع الغافلين، مما يجعله إعانة على
المنكر.
وتفصيلاً:
فقد تناولت نصوص الوحيين وأقوال الفقهاء أحكام الترويع والكذب للإضحاك،
وفصل العلماء المعاصرون في آثار المقالب الرقمية:
1. تأصيل الفقهاء قديمًا في تحريم الترويع والكذب للإضحاك
اتفق الفقهاء على منع إخافة الآمن، ونقلوا الأحاديث الزاجرة عن ذلك كقوله
ﷺ: لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا.
جاء في سبل السلام للإمام الصنعاني: "فيه دليل على أنه لا يجوز ترويع
المسلم ولو على وجه المزاح؛ لأن إدخال الرعب في قلب المسلم أذى له، والأذى
محرم"، وقرر الفقهاء أن افتعال المواقف غير الحقيقية لإضحاك الناس مذموم شرعًا.
جاء في فيض القدير للإمام المناوي شرحًا لحديث ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك
به القوم "كرر الويل للإيذان بشدة الهلكة"؛ لأن الكذب بمجرده مفسد، فإذا
انضم إليه اصطناع مواقف رعب أو فكاهة كاذبة، عظم الإثم لما فيه من تزييف وعقول
الناس.
الضمان القضائي في الترويع:
جاء في كشاف القناع للبهوتي الحنبلي: إن صاح بغافل أو صبي، فمات أو زال
عقله من الصيحة، ضمنه؛ لأنه أهلكه بفعله،
2. آراء الهيئات والعلماء حديثًا
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: أبطلت اللجنة التعلل بالتمثيل أو المزاح في برامج
الكاميرا الخفية والمقالب، وهذه الأفعال لا تجوز شرعًا؛ فإن كانت حقيقية فهي تشتمل
على ترويع المسلم وإيذائه، وإن كانت تمثيلاً بالاتفاق فهي تدخل في الكذب والتدليس المحرم،
وفي الحالتين فإن نشرها بين الناس يعين على إشاعة المنكر والتهاون بحرمات المسلمين
وفتح الباب أمام السفهاء لتقليدها.
فتوى دار الإفتاء المصرية:
تمثيل مواقف الرعب وإيقاظ الناس بالوسائل المفزعة، حتى وإن كان بموافقة
الأطراف، لا يجوز بثه ونشره؛ لأن الشريعة الإسلامية تقضي بمنع المادة الإعلامية
التي تحث على الترويع أو تنشر ثقافة الاستهانة بسلامة الآدميين، والنشر في هذه
الحالة يمثل نموذجًا سيئًا يتأثر به الصغار والجهال، فيطبقونه تطبيقًا حقيقيًّا
يؤدي إلى الهلاك.
القواعد الفقهية الحاكمة:
قاعدة لا ضرر ولا ضرار:
إيقاظ النائم بالمفرقعات يلحق به ضررًا نفسيًّا وصحيًّا عاجلاً كالسكتة
القلبية؛ أو الترويع، وحيث إن الضرر مدفوع ومحرم شرعًا، فإن الفعل محرم مطلقًا.
قاعدة سد الذرائع:
تمثيل المقلب برضا الطرفين قد يبدو في ظاهره خاليًا من المفسدة المباشرة،
لكن نشره على منصات التواصل الاجتماعي يصبح ذريعة قوية وطريقًا ممهدًا لتقليده من
قِبل آلاف المشاهدين بشكل حقيقي وبدون رضا مع أشخاص آخرين؛ وسدًّا لهذه الذريعة
يمنع التمثيل والنشر.
قاعدة ما أفضى إلى المحرم فهو محرم:
إنتاج وبث مقاطع فيديو تظهر الترويع والإفزاع كوسيلة للضحك والتربح، يفضي
يقينًا إلى تهوين هذا السلوك الخطير في نفوس الناشئة، مما يدفعهم لتطبيقه في
الواقع؛ وحيث إنه يفضي إلى المحرم، فإن بثه وتداوله يأخذ حكم التحريم.
قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد:
المقصد من هذه المقاطع في الحالتين هو حصد المشاهدات وجني المال، والوسيلة
هي إما ترويع حقيقي آثم وإما كذب وتدليس في التمثيل؛ ولما كانت الوسائل محرمة في
نفسها أو في مآلاتها، فإن التكسب منها باطل وممنوع. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
فيديوهات المقالب المروعة في ميزان الحكم الشرعي