الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
160 - رقم الاستشارة : 4243
01/03/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا سيدة (32 سنة)، أعمل في بيئة مختلطة منذ سنوات. أحاول جاهدة الالتزام بديني، لكنني أعاني من ضغوط نفسية واجتماعية شديدة في مكان عملي.
فثقافة العمل يسودها المزاح الجريء الذي يتجاوز حدود الأدب (تلميحات غير لائقة أو سخرية من القيم). وحين أمتنع عن المشاركة، أو أحاول بأسلوب هادئ ولطيف التذكير بأن هذا لا يليق بنا، أُواجَه بموجة من التنمُّر المغلَّف بالضحك. وأسمع كلمات من قبيل: "أنتِ معقدة.. الحياة أبسط من ذلك.. أنت تعيشين في عصر آخر.. لا تكوني نكدية... إلخ.
أصبحت أشعر بالوحدة والغربة، وبدأت عزيمتي تضعف، وصرت أختار الصمت لتجنب نظرات السخرية والتهميش.
فهل صمتي في هذه المواقف خوفًا من سخريتهم يُعد من كتمان الحق أو المداهنة في الدين؟ أو على الأقل يعد من ضعف الشخصية؟
هل أسخر منهم أنا أيضًا كما فعل سيدنا نوح: (إنا نسخر منكم كما تسخرون)؟
وكيف أبني حصانة داخلية تحميني من التأثر بكلامهم، بحيث لا تهتز ثقتي بنفسي ولا أتحول في المقابل إلى شخصية قاسية، جافة، أو منعزلة تمامًا عن المجتمع؟
وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيتها أختي الفاضلة، وأشكر لك ثقتك بنا ومشاركتنا همومك. أسأل الله أن يثبتك على الحق، ويشرح صدرك، ويرزقك السكينة والوقار، وأن يجعل لك من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا، وأن يملأ قلبك طمأنينة لا تزعزعها كلمات البشر.
أختي الكريمة، إن ما تمرين به هو اختبار لثبات القيم في زمن غربة الدين، وهو صراع قديم متجدد بين من يريد الارتقاء بنفسه، ومن يريد جرَّ الآخرين إلى قاع الهزل والتفاهة.
هل صمتك يُعد كتمانًا للحق أو مداهنة أو ضعفًا؟
في ميزان الشرع والعقل، هناك فرق دقيق بين «المُداهنة» المذمومة، و«المُداراة»، أو الحكمة الممدوحة.
فالمداهنة هي التنازل عن شيء من الدين أو القيم من أجل إرضاء الناس، أو الحصول على مكاسب دنيوية، كأن تضحكي على طرفة خارجة لتريهم أنك مرنة.
أما الصمت، إذا كان الغرض منه دفع مفسدة أكبر (مثل التنمر، أو التأثير على استقرارك الوظيفي دون فائدة ترجى من الكلام)، مع بقاء قلبك كارهًا لهذا الفعل، فهذا ليس كتمانًا للحق ولا مداهنة؛ بل هو فقه لواقع مرير.
يقول النبي ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكمْ مُنْكرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِك أَضْعَفُ الإِيمَانِ» [رواه مسلم].
فإذا كان التغيير باللسان سيؤدي إلى سخرية تزيد من المنكر أو تضرك نفسيًّا بشكل لا تطيقينه، فإن الإنكار بالقلب -الذي يتجلى في عدم المشاركة والاشمئزاز الداخلي- هو عذر شرعي معتبر.
أما عن ضعف الشخصية، فاعلمي -يا أختي- أن الوقوف ضد التيار يحتاج لقوة روحية أقوى بكثير من الانجراف معه. فالشخص «المعقَّد» في نظرهم هو الشخص «المتزن» في ميزان الحق. والضعيف هو من يغير قيمه ليرضي المحيطين، أما القوي فهو من يحافظ على قيمه وثباته رغم الضغوط. فصمتك ترفعًا عن التدني هو قمة القوة والوقار، وليس ضعفًا.
هل تسخرين منهم كما فعل سيدنا نوح؟
الاستشهاد بآية ﴿إِنَّا نَسْخَرُ مِنْكمْ كمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: 38] يحتاج لفهم السياق. فسيدنا نوح قالها بعد قرون من الدعوة، وبعد أن صدر الحكم الإلهي بهلاكهم، فكانت سخريةً لإحقاق الحق، وبيان جهلهم بمصيرهم المحتوم.
أما في بيئة العمل، فالدين يدعونا إلى المعاملة بالمثل في الحقوق، وأن نتبع في الأخلاق قاعدة: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كرَامًا﴾ [الفرقان: 72].
إن السخرية منهم قد تجرُّك إلى المستنقع اللفظي نفسه الذي تفرين منه، وقد تفتح أبوابًا من المشاحنات التي تستهلك طاقتك الروحية. والرد الأقوى على السخرية ليس السخرية المضادة، بل هو التجاهل الذكي والترفع. فاجعلي شعارك: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63].
كيف تبنين حصانة داخلية؟
بناء الحصانة لا يعني بناء جدار من الكراهية؛ بل يعني تقوية جهاز المناعة القيمي. وإليك هذه الخطوات:
1- ربط الثقة بمصدرها: ثقتك بنفسك يجب أن تستمديها من رضا الله عنك، لا من تقييم زملائك. فإذا كان الله معك فمَن عليك؟ تذكري قول النبي ﷺ: «بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» [رواه مسلم]. هذه «الغربة» التي تشعرين بها هي وسام استحقاق، وليست نقيصة.
2- فصل الهوية عن الوظيفة: أنت في العمل «موظفة» تؤدي أعمالًا محددة، ولستِ «صديقة» ملزمة بالاندماج الاجتماعي الكامل. ضعي حدودًا واضحة مع زملائك. كوني ودودة معهم في حدود العمل، وصارمة فيما يتعلق بالأخلاق.
3- البحث عن بيئة صالحة: الإنسان كائن اجتماعي، فإذا كانت بيئة العمل جافة فاسدة، فلا بد من تعويض ذلك ببيئة صالحة خارج العمل (صديقات، حلقات علم، عمل تطوعي) لتشحن رصيدك النفسي.
يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
4- تغيير المنظور: بدلًا من رؤية نفسك ضحية لتنمرهم، انظري إليهم بعين الرحمة والشفقة؛ فهم أسرى لشهوة الكلام والهزل، وقلوبهم خاوية يبحثون عن ملئها بضحكات زائفة. هذا المنظور سيجعلك تشعرين بالاستعلاء الإيماني والعطف عليهم لا الكبر.
كيف تتجنبين العزلة؟
الحل يكمن في التوازن والاعتدال، فلا تنعزلي تمامًا فتخسري فرصة التأثير بصمتك ووقارك، ولا تذوبي فيهم فتخسري نفسك، ويكون ذلك عن طريق الآتي:
- اللطف غير المتكلَّف: كوني أول من يبارك في الأفراح، وأول من يواسي في الأحزان، وقدمي المساعدة المهنية بإخلاص. هذا سيجعلهم يحترمون شخصك وإن سخروا من مبادئك. فالإنسان يميل لمن ينفعه.
- الابتسامة الصامتة: ليس بالضرورة أن تكوني «نكدية»؛ ابتسمي في وجوههم بوقار، وحين يبدأ اللغو انسحبي بلباقة (اتصال هاتفي، مهمة عمل، أو انشغال بأي شيء).
- الدعاء لهم: حين تشعرين بضيق من كلامهم، قولي في سرك: «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون». هذا الدعاء سيمسح القسوة من قلبك ويحولها إلى رغبة في الإصلاح.
وختامًا أختي الفاضلة، إن صبرك على هذه البيئة مع الحفاظ على دينك هو نوع من الجهاد. فلا تظني أن ثباتك يضيع سدى، فربما تكون رزانتك وسمتك الهادئ هما السبب يومًا ما في مراجعة أحدهم لنفسه. واستمري في تميزك الوظيفي، فالتفوق في العمل يخرس الألسنة ويفرض الاحترام.
أسأل الله أن يثبِّت قلبك على دينه، ويشرح صدرك بنور اليقين، وأن يرزقك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، ويؤنس وحشتك بذكره، ويكفيك شر سخرية الجاهلين، ويجعلك مباركة أينما كنتِ، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
روابط ذات صلة: