هل يُعد «الكذب الأبيض» مخرجًا شرعيًّا لتجنب الإحراج؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الأخلاق والمعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 99
  • رقم الاستشارة : 4543
10/04/2026

أُضطَّر أحيانًا للكذب الأبيض لتجنب الإحراج في الزيارات أو الدعوات أو الأعذار العائلية؛ لأني أخجل من قول "لا" مباشرة، وأخشى أن أُحرج غيري.

فهل هذا الكذب جائز؟

وما حدود المجاملة التي لا تُخالف الدين؟

وكيف أُوازن بين الصراحة وبين اللطف الاجتماعي دون أن أقع في الإثم؟

الإجابة 10/04/2026

مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على تواصلك معنا، سائلًا الله -عز وجل- أن يرزقك سداد القول، وطمأنينة القلب، وأن يوفقك لما يحبه ويرضاه، ويجعلك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وبعد...

 

فإن قيمة «الصدق» تعد أحد الأركان الجوهرية التي يقوم عليها صرح الأخلاق في الإسلام، فهو ليس مجرد صفة عابرة، بل هو ميزان الإيمان وعلامة المروءة، والمؤمن لا يكون كذابًا أبدًا.

 

ومع ذلك، يدرك الشرع الحكيم طبيعة النفس البشرية، وما قد يعتري العلاقات الاجتماعية من حرج وضيق، فوضع لنا مخارج شرعية تجمع بين الحفاظ على الصدق ورعاية مشاعر الآخرين، وهو ما يُعرف بفقه المداراة والتعريض.

 

حكم الكذب في الأعذار الاجتماعية

 

يجب أن نعلم ابتداءً أن مصطلح «الكذب الأبيض» ليس له أصل في الشريعة من حيث كونه مباحًا لمجرد المجاملة! فالأصل في الكذب الحُرمة، لقول النبي ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ» [رواه مسلم].

 

أما ما يسميه البعض «كذبًا أبيض» في الزيارات والاعتذارات وغيرها، فهو في ميزان الشرع يقع تحت طائلة الكذب ما لم تتوفر فيه شروط الاستثناء. والحالات التي استثناها ورخّص فيها النبي ﷺ في الكذب محصورة في ثلاث، كما جاء في حديث أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها: «لَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا» [رواه مسلم].

 

وعليه، فإن اختلاق أعذار وهمية (مثل ادعاء المرض، أو وجود ضيوف وهميين... إلخ) للهرب من دعوة هو كذب صريح. لكن هناك مخرجًا شرعيًّا يسمى «المعاريض» أو «التورية»، وهي أن تقول كلامًا له معنى صحيح في باطنك، ويفهم السامع منه معنى آخر، وهو ما كان يفعله السلف عند الحاجة الشديدة لتجنب الكذب وإحراج النفس.

 

حدود المجاملة التي لا تخالف الدين

 

الإسلام دين الذوق والأدب، وقد أمرنا الله -عز وجل- بالكلمة الطيبة، فقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. ولكن للمجاملة حدودًا لا يجوز تجاوزها، وهي:

 

1- ألا تتضمن شهادة زور أو كذبًا صريحًا: كأن تمدح طعامًا سيئًا جدًّا لدرجة المبالغة التي تخدع صاحبها، أو تشهد لشخص بصفة ليست فيه.

 

2- ألا تؤدي إلى إضاعة الحقوق: كأن تجامل شخصًا على حساب شخص آخر، أو على حساب عملك وأمانتك.

 

3- التفريق بين المداراة والمداهنة: المداراة مطلوبة، وهي بذل الدنيا لصلاح الدين أو الدنيا، أو لتقليل الشر، كأن تتلطف مع شخص سيئ الخلق لتتقي شره. أما المداهنة فمحرمة؛ لأنها بذل الدين لصلاح الدنيا، كأن تسكت عن منكر أو توافق على باطل إرضاءً لشخص ما.

 

كيف توازن بين الصراحة واللطف؟

 

إن الموازنة بين الصدق واللطف فن يمكن إتقانه من خلال اتباع المنهج النبوي والتربوي التالي:

 

1- استخدام التورية الذكية:

 

بدلًا من الكذب، استخدم عبارات صادقة تحتمل التأويل. مثلًا: إذا دُعيت لزيارة ولا ترغب في الذهاب، يمكنك القول: «لدي انشغالات عائلية» فكل إنسان لديه انشغالات في بيته، فهنا أنت لم تكذب، بل ذكرت سببًا عامًّا.

 

في هجرة النبي ﷺ، سأل رجل أبا بكر الصديق عن النبي ﷺ وهو معه: مَن هذا الرجل؟ فقال أبو بكر مستخدمًا التورية: «هَذَا هَادٍ يَهْدِينِي السَّبِيلَ» [رواه البخاري]. ظن الرجل أنه دليل طريق، وكان أبو بكر يقصد هداية الدين.

 

2- الاعتذار بالدعاء والشكر:

 

بدلًا من قول: «لا» بشكل جاف، أو الكذبة المختلقة، قدّم الشكر والدعاء أولًا. كأن تقول: «أشكرك جدًّا على هذه الدعوة الكريمة وهذا من كرم أصلك، كنت وددت تلبيتها لولا أن الظرف لا يسمح حاليًا، أسأل الله أن يبارك في جمعكم». هنا أنت لم تذكر عذرًا كاذبًا؛ بل اعتذرت لأن «الظرف لا يسمح» وهذا صدق؛ لأن ظرفك النفسي أو وقتك لا يسمح فعلًا.

 

3- تعزيز ثقافة الوضوح برفق:

 

المؤمن لا يستحيي من الحق، ومن حقك الاعتذار. قال تعالى في آداب الاستئذان: ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ﴾ [النور: 28]. فإذا تعود الناس منك الصدق في الاعتذار برفق، سيحترمون خصوصيتك أكثر مما لو اكتشفوا يومًا أن أعذارك كانت مجرد أكاذيب.

 

وختامًا أخي الكريم، إن الصدق طمأنينة والكذب ريبة، والهروب من الإحراج بالكذب قد يفتح عليك أبوابًا من القلق، بينما الصراحة المغلَّفة باللطف والاعتذار المهذب تبني لك هيبة واحترامًا في قلوب الآخرين. تدرَّب على كلمات الاعتذار الراقية، واستحضر دائمًا مراقبة الله في لسانك.

 

اللهم طهر ألسنتنا من الكذب، وقلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء. اللهم ارزقنا الصدق في القول والعمل، واجعلنا من المقبولين عندك وعند خلقك، واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت. اللهم آمين.

 

روابط ذات صلة:

الكذب الأبيض

الرابط المختصر :