الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
102 - رقم الاستشارة : 4499
04/04/2026
أنا شابة (23 سنة) غير متزوجة، التزمت بديني وصلاتي مؤخرًا، وأصبحتُ أرتدي اللباس الشرعي وأتجنب المزاح الزائد، لكن حين أُقابل صديقات الطفولة أو زميلات الدراسة، أشعر بالخجل من مظهري الجديد، وأُحاول أن أبدو كما كنت مرحة ومتفاعلة معهن، حتى لا أُتهم بالتصنُّع أو التشدد أو بأني أتكبر عليهن.
فهل يعد هذا نفاقًا؟
وكيف أتخلص من هذه الازدواجية، وأثبت على الحق دون خجل، ودون صدام معهن أو خسارتهن؟
مرحبًا بك ابنتي الفاضلة، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن يثبِّتك على الحق، وأن يشرح صدرك، ويملأ قلبك طمأنينة ويقينًا، وأن يجعلك من الهاديات المهتديات، وبعد...
فإن ما تمرين به هذه الأيام مرحلة طبيعية يمر بها كل من قرر أن يسلك طريق الاستقامة على دينه، في بيئة قد تكون على غير هذا الطريق. واعلمي أن خوفك على دينك وتساؤلك عما إذا كان هذا نفاقًا، هو علامة على صدق إيمانك ويقظة قلبك؛ فالذي لا يبالي بدينه لا يشعر بهذا ولا يخالجه هذا الخوف.
هل أنت منافقة؟
طمئني قلبك يا ابنتي، فما أنت فيه الآن ليس نفاقًا بالمعنى الشرعي المذموم (النفاق الاعتقادي)، بل هو نوع من المجاهدة والصراع بين النفس القديمة والنفس الجديدة في بيئة اجتماعية ضاغطة.
روي عن التابعي الجليل ابن أبي مليكة، أنه قال: «أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه». فخوفك من التظاهر بخلاف ما تبطنين هو دليل على الإخلاص، وليس العكس.
كما أن هناك فرقًا دقيقًا بين المداراة وبين النفاق، فما تفعلينه مع صديقاتك من محاولة الظهور بمظهر «المرحة» حتى لا ينفرن منك يندرج غالبًا تحت المداراة المحمودة، وهي التلطف بالناس لكسب قلوبهم أو دفع أذاهم، ما دمتِ لم ترتكبي محرَّمًا ولم تتنازلي عن أصل من أصول دينك.
وتذكري يا ابنتي حديث حنظلة -رضي الله عنه- حين قال: «نافق حنظلة»، لأنه وجد حاله عند النبي ﷺ تختلف عن حاله مع أهله، فقال له النبي ﷺ: «يا حنظلة ساعة وساعة» [رواه مسلم]. وهذا يدل على أن تغير الحالة النفسية والاجتماعية لا يعني فساد العقيدة.
كيف تتخلصين من هذه الازدواجية؟
الازدواجية تنبع من الخجل من الحق، وعلاجها يكمن في تعزيز الفخر والاعتزاز بما وصلتِ إليه من تدين وتقوى والتزام.
فحين تشعرين بالخجل من لباسك أو سمتك الجديد، تذكري أنك ترتدين ما يرضي خالق السماوات والأرض. يقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8]. واللباس الشرعي ليس مجرد مظهر؛ بل هو عبادة وطاعة. والاعتزاز بالطاعة يطرد من القلوب الخجل من البشر.
إنك يا ابنتي لست متشددة؛ بل أنت ملتزمة بحدود الله. والفرق كبير؛ فالتشدد هو مجاوزة الحد، أما الالتزام فهو الوقوف عنده بحب. فلا تسمحي للصور النمطية السائدة في المجتمع بأن تهز ثقتك بنفسك.
تذكَّري قصة ماشطة ابنة فرعون التي ثبتت على الحق رغم كل التهديدات والمخاوف، ولم تخجل من إيمانها في وسط كافر تمامًا، فكيف بك وأنت في مجتمع مسلم وبين صديقات يحببنك؟
الثبات دون صدام ولا خسارة
إن الثبات يا ابنتي يبدأ من داخلك، فإذا استقر اليقين في قلبك، هان عليك ما ترينه من الناس في الخارج.
إن الإسلام لم يأمرنا بأن نكون عبوسين أو منغلقين لنُثبت التزامنا! بل إن السمت الحسن والخلق الرفيع هما أقوى وسائل الدعوة والثبات.
يمكنك أن تظلي مرحة ومتفاعلة كما كنت، ولكن بضوابط الشرع. فالنبي ﷺ كان أضحك الناس وأطيبهم نفسًا، كما قيل في شمائله ﷺ. فالالتزام لا يعني موت الروح؛ بل تهذيبها. فيمكنك المزاح دون كذب، والضحك دون سخرية.
وحتى لا يتهمك صديقاتك بالتصنع أو التكبر، كوني أكثر لطفًا وبرًّا بهن مما كنتِ عليه قبل الالتزام. فإذا رأين منك خلقًا رفيعًا، وكرمًا، واهتمامًا بمشكلاتهن، فسيقلن: «لقد غيَّرها الدين للأفضل»، بدلًا من قول: «لقد تكبرت علينا».
وإياك من إلقاء المواعظ عليهم فور لقائهن؛ بل اتركي أفعالك تتحدث. التزامك بالصلاة في وقتها أثناء الخروج معهن، واحتشامك، هو دعوة صامتة بليغة.
ابحثي عن صحبة صالحة
ولكي يقوى عودك، أنت بحاجة لبيئة تدعم هويتك الجديدة. فحاولي التعرف على فتيات يشاركنك التوجه نفسه، من تقوى الله والالتزام والاحتشام والطاعة، فهذا يقلل من شعورك بالغربة حين تعودين لصديقات الطفولة. يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
وختامًا يا ابنتي، إن طريق الحق في بدايته قد يشوبه بعض الوحشة؛ لكنه سرعان ما يستحيل أُنسًا وسكينة.
خجلك سيزول مع الوقت كلما تكررت المواقف وثبتِ فيها على سمتك، وصديقاتك سيعتدن على «نسختك الجديدة» ويحترمنها إذا وجدن منك صدقًا ولِينًا. استمرِي في توددك لهن، وأظهري لهن أن حجابك زادك حياءً وجمالًا وخلقًا، ولم ينقص من روحك شيئًا.
أسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يريك الحق حقًّا ويرزقك اتباعه، ويصرف عنك كيد الشيطان ووساوسه. ومبارك عليك هذا النور الذي سكن قلبك.
روابط ذات صلة:
طالبة الجامعة.. ثبات في المبادئ ورقي في التعامل
أتقلب بين بيئتين بشخصيتين.. هل أنا منافق؟
أخاف أن أكون منافقًا رغم محافظتي على الطاعة
شخصية المنافق كيف عالجها علم النفس؟