الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
82 - رقم الاستشارة : 4544
11/04/2026
صادفت متسولًا في الطريق بدا صادقًا ومحتاجًا، لكنني تجاهلته خشية أن يكون محتالًا. وبعدها ندمت بشدة، وظلّ وجهه في بالي.
هل أتحمّل وزرًا؟
وماذا لو كان محتاجًا فعلًا؟
وهل هناك كفارة لمثل هذا التقصير؟
وكيف أتعامل مع مثل هذه المواقف دون قسوة أو سذاجة؟
مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا. زادك الله حرصًا على الطاعات، ورزقك طمأنينة القلب وسكينة النفس، وجعلنا وإياك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وبعد...
فإن شعورك بالندم والقلق بعد هذا الموقف هو دليل على حياة قلبك، ورفعة إيمانك. فالمؤمن هو الذي تسرُّه الحسنة وتؤلمه الهفوة. ومراجعتك لذاتك هي المحاسبة التي هي أولى خطوات التصحيح والارتقاء.
هل تتحمل وزرًا بتجاهلك له؟
من الناحية الشرعية، لا يأثم المرء إذا لم يتصدق بماله على سائل بعينه، فالأصل في الصدقة أنها نافلة وليست فرضًا، وهذا غير الزكاة المفروضة في مصارفها الشرعية المعلومة.
ومع ذلك، فقد أرشدنا القرآن الكريم إلى أدب التعامل مع السائل عمومًا في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10]. والنهر هو الزجر والكلام القاسي، أما مجرد الإعراض أو الاعتذار أو عدم الإعطاء لشكٍّ أو لعدم توفر مال، فلا يعدُّ وزرًا بحد ذاته؛ لكنّ الوزر الحقيقي قد يقع في حالتين:
1- إذا علمت يقينًا (لا ظنًّا) أن هذا الشخص سيهلك جوعًا أو بردًا، أو سيصيبه ضرر عظيم، ولم تنقذه وأنت قادر.
2- إذا صاحب التجاهل كبرٌ في النفس أو احتقار لهذا الإنسان.
وبما أنك نادم الآن، فهذا يعني أنك لم تكن تقصد الإساءة بل كان تحفظًّا نفسيًّا، لذا لا وزر عليك بإذن الله، بل يُرجى لك أجر نيتك في الرغبة في تحري الصواب.
ماذا لو كان محتاجًا فعلًا؟
هنا تبرز عظمة الإسلام في رعاية المحتاج. يقول الله -عز وجل- في وصف عباده المتقين: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19]. فإذا كان السائل صادقًا وتجاهلته، فقد فاتك باب أجر عظيم؛ لكن الله واسع المغفرة.
وانظر ماذا حكى لنا النبي ﷺ: «قال رَجُلٌ: لَأتَصَدَّقَنَّ بصَدَقةٍ، فخَرَجَ بصَدَقَتِه، فوضَعَها في يَدِ سارِقٍ، فأصبَحوا يَتَحَدَّثونَ: تُصُدِّقَ على سارِقٍ! فقال: اللهُمَّ لكَ الحَمدُ، لَأتَصَدَّقَنَّ بصَدَقةٍ، فخَرَجَ بصَدَقَتِه فوضَعَها في يَدَي زانيةٍ، فأصبَحوا يَتَحَدَّثونَ: تُصُدِّقَ اللَّيلةَ على زانيةٍ! فقال: اللهُمَّ لكَ الحَمدُ، على زانيةٍ؟ لَأتَصَدَّقَنَّ بصَدَقةٍ، فخَرَجَ بصَدَقَتِه، فوضَعَها في يَدَي غَنيٍّ، فأصبَحوا يَتَحَدَّثونَ: تُصُدِّقَ على غَنيٍّ! فقال: اللهُمَّ لكَ الحَمدُ، على سارِقٍ وعلى زانيةٍ وعلى غَنيٍّ! فأُتيَ فقيلَ له: أمَّا صَدَقَتُكَ على سارِقٍ فلَعَلَّه أن يَستَعِفَّ عن سَرِقَتِه، وأمَّا الزَّانيةُ فلَعَلَّها أن تَستَعِفَّ عن زِناها، وأمَّا الغَنيُّ فلَعَلَّه يَعتَبِرُ فيُنفِقُ ممَّا أعطاه اللهُ» [رواه البخاري]. فالمهم هو نيتك أنت، لا حال السائل في الحقيقة.
ويُروى عن أحد السلف أنه كان إذا جاءه سائل قال: «مرحبًا بمن يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة». فالمحتاج في الحقيقة هو رسول من الله يختبر به جودك ورحمتك.
هل هناك كفارة لهذا التقصير؟
من الناحية الفقهية لا توجد كفارة لعدم التصدق؛ لأن الصدقة ليست واجبًا تعاقب عليه. ولكن هناك ما يمكنك القيام بها تزكية لنفسك، وجبرًا للسائل الذي فاتك، مثل: الاستغفار عن هذا التردد، والمبادرة بإخراج صدقة لأي محتاج آخر بنية أن يتقبلها الله عن ذلك الموقف الذي ندمت عليه، وكذلك الدعاء لذاك السائل بظهر الغيب: «اللهم إن كان صادقًا فارزقه من فضلك الواسع، واقضِ دينه، وأغنِه، واجبر خاطره...»، فمثل هذا الدعاء يهدئ قلبك ويريحك.
كيف تتعامل مستقبلاً؟
أخي الحبيب، إن المسلم كيِّس فطن، يجمع بين الرحمة والحكمة، لذا أنصحك بالآتي:
1- العطاء القليل في حال الشك: إذا شككت في صدق أحدهم، فلا تحرمه بالكلية. تصدق عليه بمبلغ بسيط، فبذلك تخرج من دائرة النهر وتكسب أجر الصدقة بنيتك. وقد قال رسول الله ﷺ: «ردُّوا السَّائلَ ولَو بظِلْفٍ مُحرَقٍ» [رواه النسائي]. والظلف المحرق هو حافر الحيوان المحترق، وهو كناية عن القليل جدًّا الذي يحقق عدم رد السائل خائبًا.
2- القول المعروف: إذا قررت عدم الإعطاء لسبب ما، فليكن ردك رقيقًا مؤدبًا بكلمات طيبة. قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: 263]. يمكنك القول: «رزقنا الله وإياك»، أو «الله يفتح عليك»، بابتسامة وهدوء.
3- تحري الجهات الموثوقة: اجعل صدقاتك الكبيرة والأساسية عبر الجهات الموثوقة التي تفحص الحالات وتتيقن من احتياجها فعليًّا، واترك الصدقات العابرة لهؤلاء الذين في الطريق لجبر خواطرهم.
وختامًا أخي الحبيب، إن هذا الندم الذي سكن قلبك هو غسيل لروحك، وتنبيه من الله لك لتعود بقلب أكثر رقة. لا تجعل الشيطان يجرُّك إلى الحزن والقنوط؛ بل اجعل هذا الموقف وقودًا لك لتكون أكثر عطاءً ورحمة بعباد الله.
أسأل الله أن يغفر لنا ولكم التقصير، وأن يشرح صدرك، وينير قلبك، ويجعلك مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر. اللهم ارزقنا قلوبًا رحيمة، ونفوسًا سخية، وأعينًا تدمع من خشيتك ورحمة بخلقك. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط ذات صلة:
الصدقة.. حقيقتها وثمراتها وآدابها
من مبطلات الأعمال.. المنّ والأذى