كيف يُظهر المسلم عِزَّته بدينه في زمن الماديات؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الأخلاق والمعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 103
  • رقم الاستشارة : 4480
06/04/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نقرأ في قصة ربعي بن عامر حين دخل على رستم بثياب بسيطة، لكنه كان ممتلئًا بعزة الإسلام، فلم يعتز بنسبه ولا مظهره، بل بهويته كمسلم، مستمدًا قوته من توحيده لله وثقته بدينه.

في زمننا، ومع كثرة مظاهر الماديات والتفاخر بالمظاهر، كيف يمكن للمسلم أن يحقق هذا الاعتزاز الحقيقي بدينه كما كان عليه الصحابة؟

وهل يُطلب من المسلم إظهار هذه العزة في سلوكه وهويته أمام الناس، ولو خالف مظاهر القوة المادية السائدة؟

جزاكم الله خيرًا.

الإجابة 06/04/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يثبِّت قلبك على الحق، وأن يملأ روحك بعزة الإيمان، وأن يجعلك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرزقنا وإياك فهم حقيقة الدنيا والآخرة، وبعد...

 

عِزَّة لا تنحني أمام الماديات

 

إن المشهد الشهير لربعي بن عامر -رضي الله عنه- الذي أشرتَ إليه (وقد كان قصير القامة، يرتدي ثيابًا بسيطة، ويركب فرسًا صغيرًا) وهو على حاله تلك، يدخل على قائد الروم ليمزق بمرور رمحه بساط رستم الفاخر، ليكسر غروره، لم يكن استعراضًا للقوة؛ بل كان إعلانًا عن ميلاد «الإنسان الجديد» الذي حرره التوحيد من عبودية المادة. هذا الإنسان الذي لم يعد يرى العظمة في «كم يملك»، بل في «من يعبد». لخَّص ذلك ربعي بقولته المشهورة: «إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام».

 

في زمننا هذا؛ حيث طغت الماديات وأصبحت المظاهر هي المعيار الذي يقيم به الناس بعضهم بعضًا، نحتاج فعلًا إلى استعادة روح «العزة» كما عاشها الجيل الأول.

 

كيف يحقق المسلم الاعتزاز بدينه في زمن الماديات؟

 

إن الاعتزاز بالدين ليس شعارًا يُرفع، بل هو حالة قلبية ويقين روحي. ولتحقيق ذلك في ظل صخب الماديات، يمكن اتباع الخطوات التالية:

 

1- إدراك مصدر العزة الحقيقي

 

يجب أن يترسخ في قلب المسلم أن العزة ليست سلعة تُشترى، ولا تُكتسب بالنسب ولا بالمنصب، بل هي منحة ربانية. يقول الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: 10]. فمن اعتز بالقوي الذي لا يموت، لم يذل أبدًا، ومن اعتز بجاه أو مال، زال عزه بزوالهما.

 

2- التحرر من «عقدة النقص»

 

المشكلة اليوم ليست في قوة المادة عند الآخرين؛ بل في الشعور بالهزيمة النفسية أمامها. إن الصحابة رأوا قصور كسرى وقيصر؛ لكنهم لم ينبهروا بها لأنهم ذاقوا حلاوة الإيمان التي تتضاءل أمامها كل لآلئ الأرض وذهبها. تذكر دائمًا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله».

 

3- تعميق المعرفة بجماليات الإسلام

 

لا يمكن للمسلم أن يعتز بشيء يجهله. عندما يقرأ المسلم في سيرة نبيه ﷺ، ويدرك كيف بنى دينًا يحترم العقل ويكرم الإنسان ويقيم العدل، يمتلئ فخرًا. إن الاعتزاز يأتي من اليقين بأننا نحمل رسالة لإنقاذ البشرية، كما قال ربعي بن عامر.

 

هل على المسلم إظهار هذه العزة أمام الناس؟

 

الإجابة هي: نعم، وبكل فخر؛ لكن بضوابط الشرع لا بمظاهر الكبر:

 

- العزة لا تعني الكبر:

 

هناك خيط رفيع بين العزة بالإسلام وبين التكبر على الناس. فالعزة هي استغناء عما في أيدي الناس بيقين بما عند الله، بينما الكبر هو بطر الحق وغمط الناس. والمسلم يُظهر هويته باعتزاز؛ فيحافظ على صلاته في وقتها مهما كانت الشواغل، ويتمسك بصدقه وأمانته ولو كان الجميع حوله يغشون وبكذبون ويخونون، ويحافظ على سمته ووقاره وأخلاقه.

 

- الحفاظ على الهوية:

 

في زمن «السيولة» التي تذوب فيها الهويات، يُطلب من المسلم أن يكون شامخًا بهويته. لا يخجل من شعائر دينه، ولا من لغته، ولا من مبادئه الأخلاقية حتى لو وصفها البعض بأنها قديمة عفَّى عليها الزمن. يقول النبي ﷺ: «بَدَأ الإسلامُ غَريبًا، وسَيَعودُ كما بَدَأ غَريبًا، فطوبى للغُرَباءِ» [رواه مسلم]. وهؤلاء الغرباء هم الذين يعتزون بالحق حين يتخلى عنه الناس.

 

- المادة وسيلة لا غاية:

 

نحن لا ندعو المسلم ليكون فقيرًا أو ضعيفًا كي يعتز بدينه؛ بل الإسلام يحث على القوة: «المُؤمِنُ القَويُّ خَيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعيفِ» [رواه مسلم]. لكن الفرق أن المسلم يملك المادة ولا تملكه؛ فإذا فقدها لم ينكسر، وإذا امتلكها لم يطغَ.

 

وختامًا أخي الكريم، إن العزة ليست في ثوب غالي الثمن، ولا في سيارة فارهة، ولا في محاكاة الكثرة والغالبية في عاداتها؛ بل العزة هي أن تمشي على الأرض وأنت تعلم أنك عبد لله وحده، وأنك تحمل منهجًا ربانيًّا صالحًا لكل زمان ومكان. فكن كالنخلة، أصلها ثابت في إيمانها، وفرعها في السماء بطموحها وأخلاقها.

 

اللهم أعزنا بالإسلام، وأعز الإسلام بنا. اللهم ارزقنا يقينًا يملأ قلوبنا عزةً بك، وتواضعًا لخلقك. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، واجعلنا من الذين يرفعون راية الحق بأخلاقهم وعملهم ويقينهم. وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

عزة المسلم في 10 أمور

الرابط المختصر :