الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
68 - رقم الاستشارة : 4672
25/04/2026
تابعت أحد الدعاة الشباب وأحببته بشدة، وتعلَّمت منه الكثير، لكنني لاحقًا صُدمت بموقف له فيه تساهل ومداهنة للاتجاه السائد. وشعرت بالخذلان، ثم بدأت أشك في كل ما تعلَّمته منه، بل وأشك في معظم الدعاة، وسيطر عليَّ هاجس أن كل الدعاة المشهورين كذلك، لكننا في انتظار موقف يكشف حقيقتهم، مما صدني عن سماع الدروس والمواعظ.
فهل أنا محق في هذا الشعور تجاه هذا الداعية؟
وكيف أتخلص من هذا الهاجس لأعود مرة أخرى للإقبال على سماع العلم؟
مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله العظيم أن يشرح صدرك، وينير بصيرتك، ويربط على قلبك بالحق، وأن يريك الحق حقًّا ويرزقك اتباعه، ويريك الباطل باطلًا ويرزقك اجتنابه، وأن يثبتنا وإياك على صراطه المستقيم حتى نلقاه، وبعد...
فإن الشعور بالخذلان أو الصدمة حين نرى من نحبهم ونقتدي بهم يقعون فيما نراه زللًا هو شعور إنساني طبيعي، فهو نابع من اعتقاد «المثالية» التي رسمناها لهذا الداعية في قلوبنا. لكن يا أخي الكريم، لا بد أن ندرك بدايةً أن علاقتنا بالدعاة يجب أن تكون وسيلة للوصول إلى الله، لا غاية في حد ذاتها. فإذا ما اهتزت الوسيلة، بقي المقصد ثابتًا لا يتزعزع.
لا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ
يجب أن نرسخ في عقولنا قاعدة مهمة وأساسية، وهي: «كل بني آدم خطاء»؛ فالكمال لله وحده، والعصمة قد دُفنت مع رسول الله ﷺ. وإن المبالغة في تقديس الأشخاص تجعلنا نرفعهم فوق منزلتهم البشرية، فإذا أخطأ أحدهم هُدم الدين كله في أعيننا، وهذا خلل كبير في التصور.
يقول النبي ﷺ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» [رواه الترمذي].
فالداعية بشر، يعتريه ما يعتري البشر من خوف، أو طمع، أو زلل في الاجتهاد، أو حتى غفلة. وموقف واحد ينبغي ألا ينسف تاريخه من العطاء والعلم.
احتمالية سوء الفهم
قبل أن نصدر حكمًا قاطعًا على أحد، علينا أن نتأنى؛ فربما ما اعتبرته أنت «مداهنة وتساهلًا» قد يكون عند هذا الداعية «مداراةً أو حكمة» تقتضيها ظروف لا تعلمها أنت. فهناك شعرة فاصلة بين المداهنة (وهي بذل الدين من أجل الدنيا)، والمداراة (وهي بذل الدنيا أو الصمت المؤقت لحماية الدين أو درء مفسدة كبرى).
والله -سبحانه- يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12].
فربما رأى هذا الداعية أن الموقف الذي أغضبك موقفه فيه يتطلب نوعًا من التلطف لفتح باب هداية، أو لتجنب صدام يؤدي لغلق منبره الدعوي تمامًا. تذكر قصة النبي ﷺ مع الرجل الذي قال عنه قبل دخوله: «بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ»، فلما دخل تحدث معه بلين، فلما سألته عائشة -رضي الله عنها- قال: «يَا عَائِشَةُ، إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِندَ اللهِ مَنزِلةً يَومَ القيامةِ مَن تَرَكَه النَّاسُ اتِّقاءَ شَرِّه» [أخرجه البخاري].
منهج التماس الأعذار
حتى في حال أنك تأكدتَ يقينًا من أن هذا الداعية قد أخطأ أو زلَّ، فليكن منهجك هو «التماس العُذر». فقد يكون تحت ضغط شديد، أو أُكره على قول ما لا يعتقد، أو خانه التعبير.
وروي عن محمد بن سيرين رحمه الله أنه قال: «إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد له عذرًا فقل: لعل له عذرًا».
إن البحث عن الأعذار للناس يريح قلبك قبل كل شيء، ويمنع الشيطان من أن يفسد عليك علاقتك بأهل العلم.
وتذكَّر -يا أخي- أننا مأمورون بمحبة المؤمنين وموالاتهم، فكيف بمن بذل عمره في توعية الناس؟ إن زلته تُغمر في بحار حسناته.
علاج هاجس الشك في جميع الدعاة
احذر يا أخي من تعميم الأحكام، فهذا من أعظم مداخل الشيطان ليصدك عن العلم. إن القول بأن «كل الدعاة المشهورين مداهنون» هو قول ظالم، وفيه اعتداء وسوء ظن بالأمة التي قال فيها النبي ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ» [رواه مسلم].
فلا تربط الحق بالأشخاص، بل اربط الأشخاص بالحق. وقد روي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: «إن الحقَّ لا يُعرَف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله».
إن الدروس التي سمعتها من هذا الداعية، والمعلومات التي تعلمتها منه، إن كانت مبنية على قال الله وقال رسوله، فهي حق ثابت؛ سواء كان القائل مصيبًا في مواقفه الأخرى أو مخطئًا.
يُروى أن أحد طلاب العلم رأى شيخه في موقف ظنَّه فيه متلبسًا بمعصية، فترك مجلسه وانقطع عنه وشك في علمه كله. وبعد فترة اكتشف أن ما رآه كان له تفسير شرعي صحيح، وأن الشيخ كان في حالة اضطرار. حينها ندم الطالب أشد الندم؛ لكنه كان قد فاته كثير من العلم.
إن الشيطان يريدك وحيدًا بلا قدوة ولا معلم، ليسهل افتراسك، كما قال النبي ﷺ: «وَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ» [رواه أبو داود].
لستَ محقًّا يا أخي في تعميم هذا الشعور، وإن كان عذرك هو الغيرة على الدين، فإن الغيرة يجب أن تنضبط بضوابط الشرع. فعد إلى دروسك، واستمع بقلب واعٍ وعقل ناقد، خذ ما صفا ودع ما كدر. ولا تجعل من خطأ بشر حاجزًا بينك وبين نور الوحي.
وختامًا أخي الفاضل، أنصحك بأن تنوِّع مصادرك، فلا تربط قلبك بداعية واحد؛ بل اسمع للعلماء الراسخين، والمشايخ المربين، والشباب المخلصين.
كما أنصحك بأن تدعو لهذا الداعية بظهر الغيب؛ ادعُ الله له بالثبات والبصيرة، فهذا سيغسل قلبك من الخذلان، ويجعلك تنظر للأمر من وجهة أخرى.
وأطمئنك بأن دين الله تكفل هو -سبحانه- بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. فالدين لا يسقط بسقوط أحد رموزه، والحق ظاهر لا يخفى على من يطلبه صادقًا.
أسأل الله أن يحفظ عليك دينك، وأن يربط على قلبك، وأن يجمعنا وإياك مع الصادقين في جنات النعيم. اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، ولا تجعل فتنة الأشخاص تصدنا عن سبيلك. وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط ذات صلة:
حُسن الظن فريضة والتسرع في الأحكام مهلكة.. حين يغيب التورع وتحضر الفِراسة المدّعاة