الغيرة بين طالبات المعهد الشرعي.. كيف السبيل إلى حفظ القلوب؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الأخلاق والمعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 459
  • رقم الاستشارة : 3291
15/11/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا سيدة متزوجة، ولدي أبناء، ومع ذلك أسعى لتنمية معرفتي الشرعية، فالتحقتُ بمعهدٍ لتعليم العلوم الشرعية مخصَّصٍ للنساء. والحمد لله أجد في ذلك راحةً وسكينة، وأشعر أنّ الله فتح لي بابًا كنت أبحث عنه منذ سنوات.

في الفرقة التي أدرس فيها مجموعة من الأخوات الطيبات، وكلٌّ منهنّ حريصة على طلب العلم والمشاركة والمذاكرة. لكن مع الوقت بدأت ألاحظ أن الأجواء يغلب عليها التنافس، وأحيانًا شيئٌ من التفاخر، سواء في حفظ القرآن والأحاديث، أو درجات الامتحانات، أو حتى في طريقة اللباس والمظهر العام. ومع أنّي أُحب لهنّ الخير وأفرح لتفوقهن، إلا أن نفسي تتأثر دون قصد، وأجد في قلبي شيئًا من المقارنة، وربما الغيرة الخفية.

أنا أخشى أن تُفسد هذه المشاعر نيّتي، أو أن يكون حظّي من هذا الطريق المنافسة الدنيوية لا التقوى والإخلاص. حاولت أن أزكي نفسي، وأذكرها بفضل الإخلاص وخطورة الرياء، لكنّي أحيانًا أُرهق من كثرة المراقبة والمحاسبة.

أشيروا عليَّ، ماذا أفعل؟

الإجابة 15/11/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أختنا الكريمة، وأشكرك جزيل الشكر على ثقتك بنا ومراسلتنا، وأسأل الله أن يبارك فيك، ويثبِّت خطواتك على طريق الخير، ويجعلك من أهل العلم النافع، ويزيدك هدًى وطمأنينة، وبعد...

 

فبدايةً، أحييك على هذا السعي المبارك لطلب العلم الشرعي، فهذا من أعظم الأعمال، وقد مدح الله –تعالى- طلبة العلم، فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].

 

وقد ورد في الحديث الشريف: «مَنْ سَلَك طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» [رواه مسلم]. فخطواتك في هذا الطريق هي طريقك للجنَّة إذا كانت النية خالصة لله. فالإخلاص هو ما يُعطي للعلم قيمته، وهو ما يرفع الدرجات عند الله.

 

الغيرة شعور إنساني طبيعي

 

أما ما ذكرتِه عن الشعور بالمنافسة والغيرة، فالقلب معرَّض لهذه المشاعر، خصوصًا في بيئة يكثر فيها التفاعل، وتبرز المقارنات؛ وهذه المشاعر اختبار لقوة الإخلاص، والقدرة على ضبط النفس وتوجيه النية.

 

إن الغيرة والمقارنة شعور إنساني طبيعي؛ وقد تكون محمودة إذا أدت للتنافس الشريف، والتسابق إلى الخيرات، دون ضغينة أو مكائد أو حسد. وقد تصبح ضارة أيضًا إذا حولت طلب العلم من وسيلة للعبادة إلى وسيلة للتفاخر أو إظهار التفوق. فالله -تعالى- يحذِّر من الرياء، ويُذكِّر المؤمنين: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5].

 

التغلب على مشاعر الغيرة

 

وإليك بعض الأمور العملية للتغلب على هذه المشاعر، حاولي القيام بها، وعلميها غيرك:

 

1- التجديد المستمر للنية:

 

قبل دخول المعهد أو حضور محاضرة فيه، جددي نيتك لله، وادعي ربك: «اللهم اجعل عملي هذا وتعلمي خالصًا لوجهك، ولا تجعل فيه لنفسي نصيبًا».

 

2- تجنب المقارنات:

 

إن التنافس في مجال العلم الشرعي يجب أن يكون مع النفس، وليس مع الآخرين. فقياسك هو عملك مع الله، لا درجات أحد.

 

تجنبي متابعة زميلاتك بشكل يقود إلى المقارنة، وركّزي على تقدمك الشخصي، سواء أكانت المتابعة في التعلم أم في التطبيق.

 

ومن التجارب التي اطلعت عليها في هذا الشأن، خلصتُ إلى أن تحديد كل طالب لنفسه معيارًا للتقدم الشخصي يخفف من حدة الغيرة والتنافس غير المحمود المؤدي للمفاخرة والرياء. بمعنى أن تحدد كل طالبة لنفسها أهدافًا خاصة ترنو لتحقيقها، وترغب في الوصول إليها، على قدر جهدها ووقتها وقوة تحصيلها. مثل: حفظ عدد معين من الآيات، أو فهم باب فقهي معين، أو إحراز درجات أو تقدير معين؛ بحيث يكون ما وضعته لنفسها هو المعيار، وليس ما تصل إليه الأخريات.

 

3- قدوات لا منافِسات:

 

بدلًا من المقارنة والتحسر والغيرة، انظري لتفوق الأخريات باعتباره فرصة للتعلم والتطوير. فمثلًا، إذا رأيت إحدى زميلاتك متفوقة في مجال ما، فيمكنك سؤالها بود عن طريقة مذاكرتها، وكيفية تنظيمها لوقتها، وتطبيق ما يناسبك من ذلك، ولا شك أن هذا سيؤلف بين القلوب، ويوسع مساحة التعاون على الخير.

 

4- الدعاء والتوكل:

 

الدعاء هو أعظم معين على تصفية القلب وتحقيق الطمأنينة، فاجعلي قلبك متوجهًا لله دائمًا، واطلبي منه الثبات على الطريق الصحيح، والإخلاص في العمل، وحفظ قلبك من مقارنة الآخرين، والرضا بما قسمه الله لك.

 

5- النظر في الأثر:

 

كونك زوجةً وأُمًّا، فإن هذا يجعل طلبك للعلم أسمى؛ لأنك بذلك تنقلين نور العلم إلى بيتك وأولادك، وتكونين قدوة لهم في العلم والعمل وفي الأخلاق. وتذكري أن أثر العلم الحقيقي، والتفوق الحقيقي، ليس في تحصيل الشهادات والدرجات العليا؛ بل في عملك بهذا العلم، وتصرفاتك اليومية مع الناس، وفي تطبيقك للعلم على حياتك وأسرتك.

 

أسأل الله العظيم أن يرزقك حب العلم، وإخلاص العمل، وراحة القلب، وأن يجعلك من الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرفع درجتك في الدنيا والآخرة، ويجعل قلبك مطمئنًّا بالعلم والعمل الصالح.

 

روابط ذات صلة:

كيف أتعامل مع غيرة أقراني في مجتمع الدعوة؟

غيرة الإمام من نجاح غيره.. كيف أسمو بنفسي وأُخلص عملي لله؟

حلول عملية لإدارة الغيرة والنزاعات الخفية في بيئة العمل

 

الرابط المختصر :