ما معنى «التخوُّض في مال الله ورسوله»؟ وكيف نتقيه؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الأخلاق والمعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 284
  • رقم الاستشارة : 3907
22/01/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجو من سماحتكم إفادتي وتوجيهي حول حديث نبوي شريف استمعت إليه في إذاعة القرآن الكريم من أحد المتحدثين، لكني لم أتمكن من فهمه. الحديث هو: «إنَّ الدُّنيا خَضِرةٌ حُلوةٌ، وإنَّ رجالًا يَتخوَّضونَ في مالِ اللَّهِ ورسولِهِ بغَيرِ حقٍّ، لَهُمُ النَّارُ يومَ القيامةِ».

هل هذا الحديث صحيح؟

وما معنى "التخوض"؟ وما المقصود بـ"مال الله ورسوله" في زمننا المعاصر؟

وكيف نتقي ذلك الفعل والعقوبة عليه من الله؟

وجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

الإجابة 22/01/2026

مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكر لك حرصك على فهم سُنة المصطفى ﷺ. أسأل الله العظيم أن يبارك في عمرك، وأن يرزقك العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا وإياك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وبعد...

 

هل هذا الحديث صحيح؟

 

بخصوص سؤالك عن صحة الحديث، فإنه حديث صحيح ورد باللفظ الذي أوردته بسؤالك في كتاب «الأمالي المطلقة» للإمام ابن حجر العسقلاني، رحمه الله.

 

كما ورد في صحيح الإمام البخاري بلفظ مقتصر: «إنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ في مَالِ اللَّهِ بغيرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَومَ القِيَامَةِ».

 

أما زيادة «الدُّنيا خَضِرةٌ حُلوةٌ» فهي جزء من حديث آخر صحيح أيضًا، رواه الإمام مسلم بلفظ: «إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فيها فَيَنْظُرُ كيفَ تَعْمَلُونَ».

 

وفي حديث آخر رواه الإمام البخاري، قال رسول الله ﷺ: «إنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فمَن أَخَذَهُ بسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فِيهِ، ومَن أَخَذَهُ بإشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ له فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ ولَا يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى».

 

إذن، فالحديث الذي سمعتَه في الإذاعة هو دمج لمعانٍ صحيحة، يحذر من الاغترار بالدنيا والتصرف غير المسؤول في الأموال العامة.

 

معنى «التخوُّض» في اللغة والشرع

 

كلمة «التخوُّض» في اللغة مأخوذة من «خوض الماء»، وهو الدخول فيه والمشي به دون مبالاة بقعره أو اتجاهه.

 

وفي سياق المال، يعني «التخوض» ما يلي:

 

1- التصرف العشوائي: إنفاق المال دون بصيرة أو حاجة حقيقية.

 

2- الاستيلاء بغير حق: أخذ المال من غير وجهه الشرعي، سواء بالسرقة، أو الرشوة، أو الاختلاس.

 

3- الإسراف والتبذير: التوسع في إنفاق المال العام أو الخاص في الشهوات والملذات بما يجاوز الحد.

 

وكأن المصطفى ﷺ يصور لنا الذي يعبث بالمال العام كمن يخوض في بركة ماء، يلطخ نفسه وثيابه دون أن يبالي بالعواقب، فكذلك «المتخوض في مال الله» يلطخ ذمته ودينه بالسرقة والحرام.

 

ما المقصود بـ«مال الله ورسوله» في زمننا المعاصر؟

 

في العهد النبوي، كان المقصود بمال الله ورسوله هو الفيء والغنائم والزكاة التي تُجمع في بيت مال المسلمين. أما في زمننا المعاصر، فالمعنى اتسع ليشمل كل المال العام، ويمثل ذلك:

 

- خزينة الدولة وميزانيتها: كل ما يُخصص للمشاريع العامة والخدمات.

 

- الممتلكات العامة: كالمدارس، والمستشفيات، والطرق، والحدائق، ووسائل المواصلات.

 

- أموال الأوقاف: وهي الأموال التي حبسها أصحابها لأعمال الخير؛ فالتلاعب بها أو أكلها هو تخوُّض بغير حق.

 

- أموال الزكاة والصدقات: التي تجمعها الجمعيات الخيرية والمؤسسات؛ فمن يتصرف فيها لصالحه الشخصي يقع تحت هذا الوعيد.

 

- الوظيفة العامة: استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق مكاسب مالية شخصية، أو استهلاك موارد العمل (السيارات، الأوراق، الاتصالات... إلخ) في أغراض خاصة غير مسموح بها.

 

يقول الله –تعالى- محذرًا من خيانة الأمانة في المال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].

 

كيف نتقي هذا الفعل وعقوبته؟

 

إن الوقاية من هذا الذنب العظيم تتطلب يقظة إيمانية وإجراءات عملية، منها:

 

1- استشعار رقابة الله

 

يجب أن يدرك المرء أن المال الذي تحت يده هو أمانة، وليس ملكية مطلقة. تذكر قصة سيدنا الخليفة الراشد الخامس عُمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- حين كان يطفئ شمعة بيت مال المسلمين إذا بدأ حديثًا خاصًّا لا يتعلق بمصالح الرعية، تورعًا من أن يستهلك مال المسلمين في شأن شخصي.

 

2- الكسب الحلال والقناعة

 

إن حلاوة الدنيا تفتن النفوس، والحل هو القناعة بما أحل الله: «فمَن أَخَذَهُ بسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فِيهِ، ومَن أَخَذَهُ بإشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ له فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ ولَا يَشْبَعُ».

 

3- الأمانة في الوظيفة

 

إذا كنت تعمل في جهة حكومية أو خاصة، فاعلم أن كل قلم، وورقة، وساعة عمل هي أمانة في عنقك. لا تأخذ مكافأة لا تستحقها، ولا تستهلك موارد العمل فيما لا يخص العمل.

 

4- التوبة وردُّ المظالم

 

من تورط في شيء من ذلك، فعليه التوبة النصوح، وشرط توبته ردُّ المظالم. فإن كان مالًا عامًّا، وجب رده لخزينة الدولة أو صرفه في وجوه النفع العام، بنية إبراء الذمة إذا تعذَّر الرد المباشر، مع الاستغفار الكثير.

 

وختامًا أخي الكريم، إن هذا الحديث هو تحذير نبوي للأمة من الفساد المالي الذي يدمر المجتمعات. فمن حافظ على مال المسلمين حافظ الله عليه يوم القيامة، ومن استباحه بغير حق فقد عرَّض نفسه لنار تلظى.

 

أسأل الله أن يطهر أموالنا من الحرام، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب. اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك. اللهم اجعلنا ممن يؤدون الأمانات إلى أهلها، وارزقنا القناعة والستر في الدنيا والآخرة.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

روابط ذات صلة:

التوبة وحسن الظن بالله

الأمانة التي حملها الإنسان ورفضتها السموات والأرض

كيف أوازن بين أمانة عملي الرقابي والستر على الزملاء؟

الرابط المختصر :
hacklink satın al jojobet giriş jojobet casibom giriş bets10 extrabet royalbet süperbetin jojobet casibom holiganbet galabet matbet matbet giriş hilbet bahiscasino celtabet antikbet betoffice