الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
26 - رقم الاستشارة : 4663
30/04/2026
"زوج يعيش مع زوجته في بيت واحد منذ 5 سنوات لكنه هاجرها في الفراش تماماً ولا يتحدث معها إلا للضرورة القصوى، ولكنه ينفق عليها وعلى الأولاد ويوفر كل الطلبات المادية. هي تعاني نفسياً وتريد حقوقها الشرعية وهو يرفض دون سبب طبي. هل يعتبر هذا 'إيلاءً' يوجب الطلاق؟ وكيف تتعامل دعوياً مع زوج يرى أن النفقة المادية تسقط الحقوق العاطفية؟"
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً بك أختي الكريمة، وإن استمرار الحياة الزوجية تحت سقف واحد مع انقطاع
المودة وهجر الفراش يعد من أصعب الابتلاءات النفسية التي قد تواجهها الزوجة؛
فالميثاق الغليظ لم يُعقد ليكون مجرد توفير للطعام والشراب، بل ليكون سكنًا
وطمأنينة.
ولقد
جعل الإسلام للمرأة حقوقًا معنوية تسبق الحقوق المادية؛ فالعلاقة الزوجية قائمة
على "المعاشرة بالمعروف"، وهي كلمة جامعة تشمل حسن الكلام، والملاطفة،
وإعفاف الزوجة. والنفقة المادية هي وسيلة لاستمرار الحياة، وليست هي الغاية من
الزواج. الزوجة إنسان لها مشاعر واحتياجات فطرية، والتقصير في هذه الاحتياجات مع
القدرة هو ظلم يتنافى مع قوامة الرجل ومسؤوليته، ولكن ينبغي الاستماع إلى الزوج
قبل أي حكم أو فتوى فلربما عنده من الأسباب ما يعذره.
ملخص
الفتوى:
إن
لم يكن للزوج عذر شرعي أو طبي، فإن ما يفعله لا يُسمى "إيلاءً" بالمعنى
الفقهي الدقيق إلا إذا حلف يمينًا بالله ألا يقربها، ولكنه يُسمى "هجرًا
بغير حق" أو "إضرارًا". من
الناحية الشرعية، لا يجوز للزوج هجر زوجته في الفراش بغير سبب شرعي أو طبي. وإذا
استمر الهجر وتضررت الزوجة نفسيًّا ولم يستجب الزوج للنصح، فلها الحق في رفع الأمر
للقضاء لطلب "التفريق للضرر"، فالنفقة المادية لا تُسقط حق الزوجة في
المعاشرة والاهتمام العاطفي.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
1. قاعدة "لا ضرر ولا ضرار": وهي قاعدة كلية تحرم على الزوج إلحاق
أي أذى نفسي أو جسدي بالزوجة، والهجر الطويل ضرر محقق.
2. قاعدة "الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان": فإذا انتفى
"المعروف" وهو حسن العشرة، لم يبقَ أمام الزوج إلا الإصلاح أو الفراق
الكريم، ولا يجوز له أن يترك المرأة كالمعلقة.
3. قاعدة "الوسائل لها أحكام المقاصد": المقصد من الزواج هو الإعفاف
وتحصين النفس، فإذا تعطل هذا المقصد بالهجر، بطلت حكمة الزواج.
آراء
العلماء في حق الزوجة الشرعي في الجماع والمعاشرة:
*
جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة): اتفقوا على أن
للزوجة حقًّا في المعاشرة، واختلفوا في المدة.
O المالكية: يرون أن حقها في الوطء واجب، فإذا
تركه الزوج عمدًا لغير عذر وتضررت، فلها الحق في طلب الطلاق بعد وعظه وتنبيهه.
O الحنابلة: قدروا المدة بـ أربعة أشهر
كحد أقصى قياسًا على مدة الإيلاء، فإذا مضت أربعة أشهر وهو هاجر لها بغير عذر، وجب
عليه العودة أو الطلاق.
O ابن تيمية: ذهب إلى أن
الواجب على الزوج أن يعفّ زوجته بالمعروف، وهذا يختلف باختلاف حاجة المرأة وقدرة
الرجل، ولا يتقيد بمدة زمنية معينة، بل بمقدار كفايتها.
*
عن النفقة والعاطفة: يجمع العلماء على
أن النفقة المادية واجبة استقلالاً، لكنها لا تبيح للرجل ترك الواجبات الأخرى.
فإطعام البدن لا يغني عن إطعام الروح، والزوج الذي يظن أن المال يكفي هو زوج قاصر
الفهم لمقاصد الشريعة، حيث وصف الله العلاقة بالمودة والرحمة، ولم يصفها بكفاية
الطعام والمأوى.
ولكن
قبل اللجوء إلى الفراق أو طلب الطلاق ينبغي على الزوجة أن تحاول في الأمور
التالية:
1. تذكير الزوج بالحسنى: يجب تذكير الزوج
بأن القوامة تكليف، وليست سلطة مادية فقط. كما قال النبي ﷺ: "خيركم خيركم
لأهله".
2. تذكيره بحق الأولاد: ذكّره بأن الأبناء يحتاجون لرؤية نموذج مودة بين
الوالدين، وأن برهم به مستقبلاً يعتمد على ما يزرعه الآن من تراحم.
3. المصارحة الهادئة: أحيانًا يكون الهجر نتيجة لضغوط نفسية أو
"كبرياء" يمنعه من الحديث. يُنصح بفتح حوار أو توسيط حكم من أهل العلم
والرأي. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
الهجر.. بين الاستقرار الأسري والطلاق العاطفي