الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
1116 - رقم الاستشارة : 3886
21/01/2026
هل يجوز التجسس على جوال الزوجة في حال وجود ريبة؟ والعكس؟
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فالأصل في الإسلام هو حرمة التجسس بين الناس عمومًا، وهذا يشمل الزوجين من باب أَولى. العلاقة بينهما مبنية على الثقة والأمانة، والتجسس يهدم هذين الركنين الأساسيين، والتجسس يتنافى مع مقصد النكاح وهو السكن والستر، وقد نهى القرآن الكريم عن التجسس، ونهي النبي ﷺ عن تتبع عورات المسلم بصفة عامة، وتتبع عورات الزوج لزوجه بصفة خاصة.
الأدلة على حرمة التجسس
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]
وهذا النهي الإلهي عام، لم يستثنِ زوجًا ولا زوجة. فالله يأمرنا باجتناب الظن السيئ، ثم ينهى مباشرة عن الخطوة التي تلي الظن وهي التجسس؛ لأنها محاولة لإثبات ظن قد يكون إثمًا في الأصل.
وكذلك حذر النبي محمد ﷺ من تتبع عورات الناس، فقال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته".
فالتجسس على الجوال هو صورة عصرية لتتبع العورات والبحث عن الزلات، وهو باب يفتح للشيطان مدخلاً عظيمًا لتدمير البيوت.
ولا مانع من المصارحة بين الزوجين إذا وجد أحدهما من الآخر ما يريبه أن يسأله من باب اطمئنان القلب في جو من الود والحب وليس من باب التجسس والتحسس وتتبع العورات.
يقول الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – في تفسير الظلال حول تفسير الآية السابقة:
وما أروح الحياة في مجتمع بريء من الظنون! ولكن الأمر لا يقف في الإسلام عند هذا الأفق الكريم الوضيء في تربية الضمائر والقلوب. بل إن هذا النص يقيم مبدأ في التعامل، وسياجًا حول حقوق الناس الذين يعيشون في مجتمعه النظيف، فلا يؤخذون بظنة، ولا يحاكمون بريبة؛ ولا يصبح الظن أساسًا لمحاكمتهم. بل لا يصح أن يكون أساسًا للتحقيق معهم، ولا للتحقيق حولهم. والرسول ﷺ يقول: "إذا ظننت فلا تحقق".
ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء، مصونة حقوقهم، وحرياتهم، واعتبارهم. حتى يتبين بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه. ولا يكفي الظن بهم لتعقبهم بغية التحقق من هذا الظن الذي دار حولهم! فأي مدى من صيانة كرامة الناس وحرياتهم وحقوقهم واعتبارهم ينتهي إليه هذا النص! وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية وحرية وصيانة لحقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا، وقام عليه المجتمع الإسلامي فعلا، وحققه في واقع الحياة، بعد أن حققه في واقع الضمير.
ثم يستطرد في ضمانات المجتمع إلى مبدأ آخر يتصل باجتناب الظنون: ( ولا تجسسوا).. والتجسس قد يكون هو الحركة التالية للظن؛ وقد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات، والاطلاع على السوءات. والقرآن يقاوم هذا العمل الدنيء من الناحية الأخلاقية، لتطهير القلب من مثل هذا الاتجاه اللئيم لتتبع عورات الآخرين وكشف سوآتهم. وتمشيًا مع أهدافه في نظافة الأخلاق والقلوب. ولكن الأمر أبعد من هذا أثرًا. فهو مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسية في نظامه الاجتماعي، وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية. إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز أن تنتهك في صورة من الصور، ولا أن تمس بحال من الأحوال. ففي المجتمع الإسلامي الرفيع الكريم يعيش الناس آمنين على أنفسهم، آمنين على بيوتهم، آمنين على أسرارهم، آمنين على عوراتهم.
ولا يوجد مبرر -مهما يكن- لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات. حتى ذريعة تتبع الجريمة وتحقيقها لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعة للتجسس على الناس. فالناس على ظواهرهم، وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم. وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما يظهر منهم من مخالفات وجرائم. وليس لأحد أن يظن أو يتوقع، أو حتى يعرف أنهم يزاولون في الخفاء مخالفة ما، فيتجسس عليهم ليضبطهم! وكل ما له عليهم أن يأخذهم بالجريمة عند وقوعها وانكشافها، مع الضمانات الأخرى التي ينص عليها بالنسبة لكل جريمة.. أ. هـ باختصار وتصرف.
خطورة التجسس على الفرد والأسرة والمجتمع
1. هدم الثقة: الثقة إذا انكسرت، لا يمكن إصلاحها بسهولة، فالحياة الزوجية ستتحول إلى جحيم من الشك المتبادل.
2. فتح باب الشيطان: قد لا تجد شيئًا، لكن الشيطان سيزرع في قلبك الشك الدائم. كلما تأخر في الرد، كلما أغلق هاتفه، ستقول: "إنه يخفي شيئًا".
3. إذا وجدتَ خطأً بسيطًا: قد تجد محادثة عادية أو زلة لسان، فتضخمها في رأسك وتحولها إلى خيانة كبرى، بينما قد تكون أمرًا تافهًا يمكن معالجته بالحوار.
4. إذا وجدتَ مصيبة كبرى (لا قدر الله): طريقة اكتشافك للمصيبة (بالتجسس) ستضعف موقفك؛ لأنك بدأت بخطأ وتعدٍّ على حرمة نهى الله عنها.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة: