الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
30 - رقم الاستشارة : 5425
27/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هناك بعض الناس يتداوون من العين والسحر عبر استخدام ورق السدر بعد دقه وخلطه بالماء وقراءة بعض سور القرآن عليه كالفاتحة والمعوذتين وخواتيم البقرة وآية الكرسي ثم الاستحمام بهذا الماء.. فهل لذلك اصل في السنة النبوية أو حديث شريف وارد في هذا الباب؟ أرجو الإفادة وجزاكم الله خيرا.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله
من كل سوء أن ابتلاء الإنسان بالأمراض البدنية أو النفسية ـ كالسحر والحسد ـ هو من
أقدار الله تعالى التي يختبر بها عباده، وقد جعل الله لكل داء دواءً علمه من علمه
وجهله من جهله، وقد شرع الإسلام للمسلم أن يسعى في طلب العلاج والتداوي بالأسباب
المباحة والرقية الشرعية، مع كمال التوكل على الله تعالى والاعتقاد الجازم بأن
الشافي هو الله وحده، وأن العلاج لا يؤثر بذاته بل بإذن الله تعالى.
اختصارًا:
ـ استخدام ورق السدر الأخضر المدقوق المخلوط بالماء
والقراءة عليه ليس له حديث مرفوع صحيح عن النبي ﷺ، ولكنه تصرف مباح شرعًا؛ لأنه
ثابت عن بعض أئمة السلف كوهب بن منبه، ومستحب من باب "التجربة النافعة"
التي لا تخالف الشرع، وقد أفتى بجوازه جمع من العلماء قديمًا وحديثًا.
ـ وينحصر العلاج الشرعي للعين والسحر في ثلاثة محاور
رئيسية:
1- الرقية الشرعية: بالقراءة من كتاب الله تعالى كالفاتحة،
وآية الكرسي، وخواتيم البقرة، والإخلاص، والمعوذتين والأدعية النبوية الثابتة.
2- علاج العين المعينة: بغسل العائن وضوء العائن أو غسول
أطرافه واغتسال المعيون به إن عُرف العائن.
3- استخراج السحر وإبطاله: إن عُرف مكانه، مع الأسباب
المادية المباحة كالتصبح بتمر العجوة، والتداوي بالحجامة، وزيت الزيتون، وماء
زمزم.
ـ أما الطرق المبتدعة المحرمة فيحرم تحريمًا قاطعًا
إتيان السحرة والمشعوذين والكهان، أو حل السحر بالسحر، أو كتابة الطلاسم والرموز
المبهمة، أو الذبح لغير الله تعالى، أو تعليق التمائم للحفظ والحماية.
وتفصيلاً:
أولاً: التداوي بالسدر حقيقته، أصله، وحكمه
الحديث الوارد في هذا الباب المنسوب إلى النبي ﷺ في صفة
السدر لا يصح مرفوعًا، وإنما أصله مأثور عن وهب بن منبه (ت 114هـ) من أئمة
التابعين.
ذكر الإمام ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري كتاب
الطب - باب حل السحر: «وَوَقَعَ فِي "كِتَابِ الضُّعَفَاءِ"
لِلْعُقَيْلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعاً...
وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ
مَوْقُوفٌ عَلَى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ... قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي كُتُبِ
وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنْ يَأْخُذَ سَبْعَ وَرَقَاتٍ مِنْ سِدْرٍ أَخْضَرَ،
فَيَدُقَّهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، ثُمَّ يَضْرِبَهَا بِالْمَاءِ، وَيَقْرَأَ فِيهَا
آيَةَ الكُرْسِيِّ والمُعَوِّذَاتِ، ثُمَّ يَحْسُوَ مِنْهُ ثَلَاثَ حَسَوَاتٍ،
وَيَغْتَسِلَ بِبَاقِيهِ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ عَنْهُ كُلُّ مَا بِهِ، وَهُو
جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ إِذَا حُبِسَ عَنْ أَهْلِهِ».
وقال الإمام ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير
آية السحر في سورة البقرة: 102:
«أنفع ما يُستعمل لإزالة السحر ما أنزل الله على رسوله
في إذهاب ذلك... وحكى ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر
أخضر... ثم ذكر الصفة».
وجاء في مجموع فتاوى ابن باز جـ 3 / صـ 279: «علاج السحر
بعد وقوعه وهو دواء نافع للرجل إذا حبس عن زوجته: أن يأخذ سبع ورقات من السدر
الأخضر فيدقها بحجر أو نحوه ويجعلها في إناء ويصب عليه من الماء ما يكفيه للغسل،
ويقرأ فيها آية الكرسي وقل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس...
وهذا تجربة نافعة، وقد جربناه مع كثير من الناس فنفع الله به».
وأوضح الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في لقاءات
الباب المفتوح اللقاء رقم 110: «استعمال السدر في الاستحمام والرقية ليس له أصل من
السنة مرفوعًا إلى النبي ﷺ، ولكنه أثر يروى عن بعض السلف كوهب بن منبه، والتداوي
به مباح لأن الأصل في الأدوية غير المحرمة الإباحة ما لم يُعتقد أن السدر يبرئ
بنفسه دون إذن الله».
ثانيًا: العلاج الشرعي الصحيح من العين والسحر
بالإضافة إلى ما تقدم فإن أهل المسحور والمحسود كما هو
الحال في الأمراض البدنية إنما يأخذون بالأسباب، ويتحرون العلاج النافع والشرعي،
ثم يخضعون ويرضون بما قسم الله من الشفاء أو غيره، والعلاج الشرعي على كتاب الله
وما ثبت من السنة الصحيحة من الأسباب الإيمانية والمادية، وتنحصر الوسائل الشرعية
في المحاور التالية:
الرقية الشرعية: وتكون بقراءة السور والآيات القرآنية كالفاتحة وآية الكرسي وخواتيم
سورة البقرة والإخلاص والمعوذتين، بالإضافة إلى الأدعية النبوية المأثورة.
الأسباب المادية المباحة: كالتصبح بسبع تمرات عجوة، والتداوي بالحجامة، وشرب ماء زمزم، والدهان
بزيت الزيتون.
العلاج بالتغسيل والأثر: عن طريق أخذ وضوء العائن أو غسول أطرافه إن عُرف واغتسال المعيون به،
بالإضافة إلى استخراج السحر وإبطاله متى ما عرف مكانه.
علاج العين والحسد:
إذا عُرف العائن: يُؤمر شرعًا بالوضوء أو الغسل ثم يغتسل
به المعيون، لحديث سهل بن حنيف رضي الله عنه لما أصابته العين، فقال النبي ﷺ:
«عَلاَمَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا
يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَتَوَضَّأَ... ثُمَّ
صُبَّ عَلَى الْمَعْيُونِ» رواه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان.
وإذا لم يُعرف العائن فعليه بالرقية الشرعية بكتاب الله
والمحافظة على أذكار الصباح والمساء.
علاج السحر:
استخراج السحر وإبطاله: وهو أبلغ أنواع العلاج، كما فعل النبي ﷺ عندما استخرج السحر الذي
صنعه له لبيد بن الأعصم من بئر ذروان.
الرقية الشرعية بالأدعية المأثورة: مثل: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ
الْبَأْسَ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لاَ شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ» رواه
البخاري، ومثل: «بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ» رواه
مسلم.
التصبح بتمر العجوة: قال النبي ﷺ: «مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ
عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ» متفق عليه.
ثالثاً: الطرق المبتدعة والمحرمة في العلاج
حذّر الشارع الحكيم من سلوك مسالك الشرك والدجل بحجة
الاستشفاء، وتتلخص المحرمات في هذا الباب في:
إتيان السحرة والمشعوذين والكهان: لقول النبي ﷺ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ
شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» رواه مسلم، وقال ﷺ:
«مَنْ أَتَى كَاهِنًا أو سَاحِرًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا
أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» رواه أصحاب السنن.
حل السحر بالسحر: سُئل النبي ﷺ عن النُّشْرَةِ فقال: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» رواه
أبو داود بسند جيد. والمراد بالنشرة المذمومة: حل السحر بسحر مثله أو بالتقرب
للجن.
تعليق التمائم والخيوط والخرزات: قال النبي ﷺ: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ
أَشْرَكَ» رواه أحمد، وسواء كانت من خرز أو خيوط أو كتابات مبهمة.
الذبح لغير الله أو كتابة طلاسم أو استعمال بخور معين
للتقرب إلى الجن: الذبح للجن
شِرْكٌ أكبر يخرج من الملة؛ لقوله ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ
اللَّهِ» رواه مسلم.
القواعد الفقهية الحاكمة في علاج
العين والسحر بورق
السدر
قاعدة: «الأَصْلُ فِي الرُّقَى وَالأَدْوِيَةِ
الإِبَاحَةُ مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا أَوْ مُحَرَّمًا»
تستند إلى الحديث النبوي الشريف: «اعْرِضُوا عَلَيَّ
رُقَاكُمْ، لاَ بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» رواه مسلم، وهي
العمدة في جواز التداوي بالأعشاب المباحة كالسدر مع القراءة عليها.
قاعدة: «الأَسْبَابُ لاَ تُؤَثِّرُ بِذَاتِهَا بَلْ
بِإِذْنِ اللَّهِ»
هذه القاعدة جزء من عقدة المسلم، وهي من مقتضيات
التوحيد؛ فلا يجوز للرّاقي أو المرقِيّ الاعتقاد بأن ورق السدر أو الماء يبرئ
بنفسه استقلالاً، بل هي أسباب ومخلوقات، والمسبب والشافي هو الله عز وجل.
قاعدة: «دَرْءُ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ
المَصَالِحِ»
لذا قرر العلماء حرمة الذهاب إلى المشعوذين والدجالين
حتى ولو ادّعى المريض أنه وجد عندهم فائدة أو شفاءً؛ لأن مفسدة خدش التوحيد
والوقوع في الشرك أعظم بمراتب من مصلحة الشفاء البدني المؤقت.
قاعدة: «الوَسَائِلُ لَهَا أَحْكَامُ المَقَاصِدِ»
الوسائل المؤدية إلى الشرك كالتمائم والطلاسم والذبح
للجن محرمة تحريم المقاصد، بينما الوسائل المباحة والشرعية كالأدعية المأثورة
والأدوية المباحة مشروعٌ استخدامها. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة:
حكم استخدام أوراق (التاروت) والتفسير الرمزي للغيب