الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
21 - رقم الاستشارة : 5161
28/06/2026
أعمل مهندس برمجيات، وقمت بتدريب نموذج للذكاء الاصطناعي على آلاف الكتب واللوحات الفنية لكتاب وفنانين معاصرين دون استئذانهم، والآن النموذج ينتج كتباً ورسومات جديدة أبيعها وأحقق منها أرباحاً ممتازة؛ فهل هذا العمل حلال، وهل أعتبر متعدياً على حقوق ملكيتهم الفكرية؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تتعامل الشريعة
الإسلامية مع القضايا التكنولوجية المتسارعة بمرونة بالغة، مستندة إلى مقاصدها
الكلية لضبط النوازل الرقمية التي تتماس مع حقوق الناس وأموالهم.
والقضايا والنوازل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي،
وتطبيقاته تولد في بيئة معرفية شديدة التسارع، ولم تستقر قواعدها وقوانينها
المدنية ولا الشرعية استقرارًا كاملاً حتى الآن، باعتبارها مسائل مستحدثة لا تزال
تحت البحث القانوني والفقهي.
ويستلزم النظر الشرعي في هذه النازلة تفكيك العملية
التقنية بدقة؛ للتمييز بين الممارسات الابتكارية أو التعدي المباشر، وبين عمليات
المعالجة الرقمية التي تحاكي طبيعة التعلم البشري، موازنةً بين حقوق المبتكرين
المعاصرة وبين تشجيع الابتكار والتطور التقني.
اختصارًا: يترجح
جواز الأرباح الناتجة عن بيع الكتب واللوحات المستخرجة من هذا النموذج، بشرط أن
يكون المنتج النهائي جديدًا ومستقلاً تمامًا، ولا يمثل محاكاة تطابق أصل لوحة
بعينها أو تنسخ فصولاً نصية ممتدة لكاتب محدد، مع ضرورة الالتزام بشروط الاستخدام
الخاصة بالمنصات التي جُمعت منها البيانات كعدم كسر حماية أو قرصنة جدران مدفوعة.
التفريق الجوهري في التكييف
يجب هنا التفريق الدقيق بين حالتين:
السطو والاستنساخ: وهو أن يأخذ الشخص مجهود غيره الفكري أو الفني لينسبه لنفسه، أو
يطرحه في السوق كنسخة مشوهة أو مكررة تضر بصاحب الحق المالي والأدبي، وهو محرم.
المحاكاة والتعلم: وهو ما يفعله عادة كل نماذج الذكاء الاصطناعي؛ بحيث هو نفسه يحاكي
نموذج التعلم البشري، فهو لا يخزن اللوحات أو الكتب داخله كملفات ينسخ منها، بل
"يتعلم" الأنماط الرياضية، والأساليب الفنية، والعلاقات اللغوية، لينتج
بعد ذلك شيئًا مختلفًا وجديدًا كليًّا، وهو فعل يشابه فعل الطفل الصغير حين يصغي
إلى والديه ليتعلم الكلمات فيكررها، ثم يستعملها.
بُني التكييف الفقهي لهذه المسألة على أصلين: الاعتراف
بالحقوق المعنوية، والحد الفاصل بين التعلم والسرقة.
1. تأصيل الفقهاء قديمًا حول التعلم من إنتاج الآخرين
والمحاكاة
لم يمنع الفقهاء قديمًا أحدًا من دراسة نتاج السابقين أو
المعاصرين وصقل المواهب بمحاكاتهم، بل اعتبروا معرفة أساليب الشعراء والعلماء
وسيلة لبناء الملكة العلمية والفنية.
مشروعية محاكاة الأساليب لإنتاج الجديد:
جاء في المقدمة لابن خلدون في باب صناعة الشعر: «شروط
هذه النبوغ كثرة الحفظ من أشعار العرب... حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج عليها،
ويتعلم منها وجه الحياكة». فلم يُعد حفظ شعر الغير لمحاكاته تعديًا بل تعلمًا.
اعتبار المنافع والمجهود الفكري أموالاً مصونة:
قرر المالكية والشافعية أن المنافع أموال، وجاء في
الأشباه والنظائر لابن نجيم: «المرء أحق بمستفاده»، مما يؤصل حق الابتكار والسبق
المعرفي.
2. آراء الهيئات والعلماء حديثًا في الملكية الفكرية
والبيانات الرقمية
اعترفت المجامع الفقهية بالملكية الفكرية كحق مالي
معاصر، لكنها وضعت قيودًا للتعدي المباشر:
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 43 5/5 بشأن الحقوق
المعنوية:
«الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية،
والتأليف والابتكار أو الاختراع، هي حقوق خاصة لأصحابها، أصبح لها في العرف
المعاصر قيمة مالية معتبرة لتموّل الناس لها. وهذه الحقوق يعتد بها شرعًا، فلا
يجوز الاعتداء عليها».
التكييف المعاصر لعمليات التغذية، ونماذج التعلم:
يتجه الباحثون في فقه النوازل الاقتصادية الرقمية إلى أن
تغذية الآلة بالبيانات العامة المتاحة للقراءة لا يُعد اعتداءً على الحق المعنوي
للمؤلف، طالما أن المادة خضعت لمعالجة رياضية أنتجت مخرجًا جديدًا، وهو ما يتسق مع
القوانين المدنية لبعض الدول التي تصنف هذا الفعل تحت بند "الاستخدام
العادل" ما دام لم يتضمن اختراقًا لمواقع محمية أو قرصنة لقواعد بيانات
مغلقة.
القواعد الفقهية الحاكمة
قاعدة "الأصل في الأشياء والعادات الإباحة":
تكنولوجيا توليد النصوص والصور هي وسيلة مستحدثة، والأصل
في كسب المال منها الإباحة ما لم تتضمن غشًّا، أو تدليسًا كأن تدعي أن بشريًّا هو
من رسمها بيده، أو سرقة مباشرة لملفات الآخرين.
قاعدة "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا":
القوانين المنظمة للفضاء الرقمي وشروط استخدام المواقع
الإلكترونية تعتبر في الفقه بمثابة الشروط العرفية الملزمة. فإذا كانت الكتب
واللوحات متاحة للعموم دون شروط تمنع صراحة القراءة الآلية أو استخدامها في أبحاث
وتدريب النماذج، فالأصل جوازها. أما إن كانت مأخوذة من مواقع تمنع ذلك بوضوح،
فيحرم خرق الشرط لقوله ﷺ: «المسلمون على شروطهم».
قاعدة "لا ضرر ولا ضرار":
إذا كان مخرج الذكاء الاصطناعي الخاص بك يقلد بدقة
متناهية أسلوب فنان معاصر حي لدرجة ضرب سوقه وتدمير قيمته المالية بشكل مباشر
وشخصي، فإن هذا يلحق به ضررًا اقتصاديًّا محضًا تمنعه الشريعة. أما إن كان مخرجًا
عامًّا يدمج آلاف الأساليب لينتج فكرًا جديدًا، فالضرر هنا عام ومحتمل يغتفر في
جنب المصلحة التكنولوجية العامة.
قاعدة "العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا
بالألفاظ والمباني":
عملية "التدريب" مقصودها الرياضي هو معرفة
النمط والتعلم وليس "نسخ السلعة" لذا لا تأخذ حكم السرقة أو التعدي على
حقوق النسخ ما دامت النتيجة مغايرة للأصل. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: