الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 5720
29/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وجزاكم الله خيرًا على ما تقدمونه.
أنا شاب في بداية الثلاثينيات من عمري، أعمل في مجال إدارة المشاريع. كيف نوفق بين حديث النبي ﷺ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»، وبين الآيات والنصوص التي تحض على استخلاف الإنسان، وعمارة الأرض، والسير في مناكبها، وترك الورثة أغنياء؟
كيف أعيش حياتي كأني غريب أو عابر سبيل، وفي الوقت نفسه خليفة لله في أرضه بالعمل فيها دون أن أشعر بالتناقض؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك
معنا، وأسأل الله أن يبارك لك في عمرك وعملك، وأن يفتح عليك فتوح العارفين، ويرزقك
التوفيق والسداد والهداية، وبعد...
الغربة
في القلب والاستخلاف بالجوارح
إن
المراد بحديث النبي ﷺ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ
سَبِيلٍ» [رواه البخاري] ليس هو الانعزال أو ترك العمارة والعمل؛ بل هو بيان لحالة
التعلق الإيماني والقلبي بالجزاء في الآخرة، دار الخلود. إن المسافر أو عابر
السبيل لا ينسى موطنه الأصلي، ولا يستوطن دار غربته بقلبه، ولكنه أثناء عبوره بهذه
الدار فإنه بجوارحه ينزل في منازلها، ويبني ما يحتاج إليه، ويصلح ما حوله، ويأخذ
منها ما يعينه على إتمام رحلته بنجاح. فيسخر الجوارح في الدنيا ليصل بعملها إلى ما
استوطنه بقلبه (الجنة).
وفي
المقابل، جاء الأمر الشرعي الصريح بالاستخلاف والعمارة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ
أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [سورة هود: 61]، والمقصود
بـ«استعمركم» أي طلب منكم إعمارها. وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ
الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ
النُّشُورُ﴾ [سورة الملك: 15]؛ فلاحظ كيف ربط بين السير في مناكبها والتكسب، وبين
التذكير بالمعاد: «وَإِلَيْهِ النُّشُورُ».
عمارة
الأرض عبادة
إن
العمل الدنيوي في عمارة الأرض وترك المال الصالح للأبناء، هي أعمال يحبها الله إذا
اقترنت بالنية الصالحة. قال رسول الله ﷺ: «إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ
أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» [متفق
عليه]. فترك المال للورثة كفايةً وحمايةً لهم هو عمل تؤجر عليه من الله، وليس
منافيًا لكونك عابر سبيل.
وقد
حثنا ديننا على العمل حتى اللحظة الأخيرة في حياتنا؛ إذ قال رسول الله ﷺ: «إِنْ
قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ
تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا» [رواه أحمد]. فلو كان مفهوم «عابر
السبيل» يعني ترك البناء والتنمية لمجرد قُرب الرحيل، لما أمر النبي ﷺ بغرس الشجرة
والساعة تقوم! هذا يدلك على أن العمل والاستخلاف مقصود بذاته كعبادة لله.
ولقد
كان عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان -رضي الله عنهما- وغيرهما، من كبار تجار
الصحابة، يديرون أموالًا ومشاريع ضخمة، ولكن الدنيا كانت في أيديهم لا في قلوبهم. وعندما
جهَّز عثمان جيش العسرة بكامل عتاده، قال فيه النبي ﷺ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا
عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» [رواه الترمذي].
لقد
مارسوا الاستخلاف في الأرض بأعلى درجاته، وظلت أرواحهما مرتبطة بالآخرة.
التطبيق
على تخصصك في إدارة المشاريع
بصفتك
مديرًا للمشاريع، يمكنك فهم هذا التوازن بسهولة من واقع عملك:
فلكل
مشروع نطاق وزمن محدد، فحين تدير مشروعًا ما تعلم أنه سينتهي في تاريخ معين
لتسلُّم مخرجاته. وهذا بالضبط هو مفهوم «عابر السبيل»؛ حياتك هي المشروع المؤقت،
والدنيا ليست مقرًّا دائمًا، بل فترة تنفيذ.
وكون
المشروع مؤقتًا لا يعني أن تنفذه بإهمال وعدم اعتناء! بل تحرص على إدارته بأعلى
درجات الإتقان وإدارة الموارد، وهذا هو جوهر الاستخلاف وعمارة الأرض.
خطوات
عملية للمزج بين المفهومين
1-
تحويل العادات إلى عبادات: اجعل لعملك في إدارة المشاريع نية
متصلة بالله؛ استحضر أنك بتنظيمك وإتقانك تُعزز كفاءة مجتمعك، وتُغني نفسك وأهلك
عن الحاجة، وتفتح أبواب رزق لغيرك، فهذا يحول عملك إلى عبادة تؤجر عليها الحسنات
من الله، كما تؤجر عليها المال في الدنيا.
2-
اجعل الدنيا في يدك لا في قلبك: اسعَ للتميز المهني، واكسب
المال الحلال، وابنِ أصولًا لورثتك، ولكن ربِّ قلبك على ألا تحزن حزنًا يهدُّك إذا
فقدت شيئًا منها، ولا تطغى إذا حزتها.
3-
أنشئ مشروعًا أخرويًّا: كما تدير المشاريع في عملك، اجعل لنفسك
مشروعًا أخرويًا (وقف استثماري، صدقة جارية، دعم مبادرة تعليمية، التطوع بنقل
خبرتك لمن يحتاج إليها... إلخ)، ليكون هذا هو الأثر المستدام الذي تأخذه معك بعد
رحيلك عن الدنيا.
4-
الموازنة بين الأسباب والتوكل: اعمل في الدنيا
وكأن الأسباب هي كل شيء من حيث التخطيط والمتابعة، وتوكل على الله بقلبك وكأن
الأسباب لا شيء.
وختامًا
أخي الكريم، لا تظن أن الزهد في الدنيا يعني الفقر أو ترك التميز؛ بل الزهد
الحقيقي هو كما قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- حين سُئل: أيكون الرجل ذا مال
وهو زاهد؟ قال: «نعم، إن كان لا يفرح ببسطه، ولا يحزن بنقصه». فكن مديرًا ناجحًا
وقويًّا في أرض الله، واجعل قلبك معلقًا بمستقرك الأبدي في جنة الله.
أسأل
الله العظيم أن يمدك بتوفيقه، وأن يجعل الدنيا في يدك ولا يجعلها في قلبك، وأن
يبارك لك في رزقك وعملك وأهلك، وأن يجمع لك بين خيرَي الدنيا والآخرة. وصلى الله
وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
كيف يتغلب المتدين على الغربة في مجتمع المظاهر؟