كيف يتغلب المتدين على الغربة في مجتمع المظاهر؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الأخلاق والمعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 14
  • رقم الاستشارة : 5301
12/07/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا عمري 34 سنة، متزوج والحمد لله ورزقني ربي بطفلين. شغال مهندس في شركة، وأموري المادية والاجتماعية مستقرة ولله الحمد.

أنا عايش في مجتمع طغت عليه المظاهر وادعاء التدين، بس الواقع السلوكي والأخلاقي شي ثاني تمامًا. الالتزام شبه معدوم في الدوائر اللي حولي؛ فمثلًا في الدوام، كل يوم أواجه تحديات تخص الأمانة المهنية، غير قعدة الزملاء اللي كلها غيبة ووقوع في أعراض الناس، ومزاح وكلام ماله داعي، هذا غير التهاون الكبير في الصلاة بوقتها.

وحتى مع الأقارب والجيران، الجمعات العائلية والمناسبات صارت خالية من ذكر الله، كلها قيل وقال، ومظاهر، وكلام ما يخلص عن الدنيا والسيارات والجوالات وأخبار الفنانين والفنانات!

ولما أحاول أتمسك بالسنن، أو أنصح بأسلوب طيب ولين، أو حتى مجرد إني أعتذر عن حضور مجالس فيها مخالفات شرعية، يبدون يستهزئون فيني. يشوفوني كأني متشدد ودقة قديمة، ويشنون علي حملات تشويه معنوي تضيق الصدر، لدرجة صرت أحس بغربة شديدة بين أهلي وزملائي.

شلون أتعامل مع استهزاء اللي حولي وتشويههم لي بسبب التزامي؟

وكيف أتخلص من شعور الغربة والوحشة اللي ملازمني ومضيق صدري؟

وكيف أقدر أهيّئ بيئة بديلة لعيالي عشان أحميهم من هالتناقض والانفصام الأخلاقي اللي في المجتمع؟

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الإجابة 12/07/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا، وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويقر عينك بصلاح زوجك وذريتك، وأن يثبتك على الحق، وأن يبدل وحشتك أنسًا، وغربتك رفعةً وضياءً، وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، وأن يحفظ أولادك، وبعد...

 

فالإنسان يميل بطبعه إلى الألفة والانسجام مع محيطه، وحين يجد نفسه يسبح عكس التيار، يشعر بضغط نفسي وثقل كبير؛ لكنّ عزاءك أنك لست الوحيد في هذا الطريق؛ فالصراع بين القيم السامية والمظاهر الجوفاء صراع قديم ممتد. ونعمتك الكبرى التي تستوجب الشكر هي استقرارك المادي والاجتماعي، مما يمنحك أرضية صلبة للتحرك والتربية دون ضغوط معيشية خانقة.

 

التعامل مع سخرية المحيطين وتشويههم

 

إن السخرية والتهكم والتهميش المعنوي هي أسلحة الضعفاء في مواجهة أصحاب المبادئ؛ فالإنسان المقصر حين يرى نموذجًا مستقيمًا، يشعر بوخز الضمير وبتقصيره الداخلي، وبدلًا من أن يصلح نفسه، يحاول خفضك إلى مستواه عبر السخرية ليخفف من شعوره بالذنب.

 

وقد أخبرنا الله -تعالى- أن هذه سُنة ماضية مع الأنبياء والصالحين؛ فقال عز وجل: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة يس: 30]. ووصف بدقة مشهد السخرية الاجتماعية من الملتزمين بدينهم، في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وإذَا انقَلَبُوا إلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وإذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [سورة المطففين: 29- 32].

 

وتذكَّر مواقف الأنبياء مع أقوامهم، وعلى رأسهم نبينا محمد ﷺ في مكة، كيف رُمي بالسحر والجنون والشعر وهو الصادق الأمين، وكيف واجه المستهزئين بالثبات والمضي في دعوته حتى حقق الله له النصر والتمكين. لم تخرجه سخريتهم عن وقاره، ولم تثنه عن دينه.

 

وللتعامل مع السخرية والاستهزاء أقترح عليك الآتي:

 

- التجاهل الإيجابي: لا تدخل في جدال عقيم للدفاع عن نفسك؛ فالجدال يغذي رغبتهم في التهكم؛ بل طبق التوجيه الإلهي: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة القصص: 55].

 

- التميُّز المهني: كن أفضل مهندس في شركتك، وأكثرهم دقة وإنتاجية وأخلاقًا؛ فالتميز المهني يفرض احترامك على الجميع مجبرين، ويجعل من يهاجم التزامك يبدو تافهًا أمام الآخرين.

 

- الردود الواثقة دون تشنج: إذا قالوا لك مثلًا: «أنت متشدد»، فأجب بابتسامة وهدوء: «بل أحاول الحفاظ على ديني والالتزام به، وأتمنى لي ولكم الهداية»، ثم غيِّر مجرى الحديث مباشرة. فالهدوء يمتص حماس المستهزئ.

 

- الانسحاب اللبق: عند بدء الخوض في الأعراض، اعتذر بلطف وبحجة إنجاز عمل ما، والمرة تلو الأخرى سيفهمون تلقائيًّا أن هذا المجلس لا يناسبك، دون أن تظهر الفوقية عليهم.

 

التغلب على شعور الغربة والوحشة

 

هذا الشعور بالوحشة هو عينه الذي بشَّر صاحبَه النبيُّ ﷺ بالجنة والرفعة. فقد قال رسول الله ﷺ: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء» [رواه مسلم]. وفي رواية أخرى سُئل: من هم يا رسول الله؟ قال: «الذين يُصلِحون إذا فسد الناس» [رواه أحمد]. فغربتك ليست دليلًا على انقطاعك، بل هي وسام اصطفاء يثبت أن بوصلتك الأخلاقية لا تزال تعمل بكفاءة.

 

يقول الحسن البصري رحمه الله: «المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها، له شأن وللناس شأن».

 

ولتبديد هذه الوحشة أنصحك بالتالي:

 

1- البحث عن بيئة موازية: ما دمتَ تفتقد الصحبة الصالحة في عملك وعائلتك، ابحث عنهم في مساجد الحي، أو في حلقات العِلم، أو في الفرق التطوعية الخيرية، أو النوادي الرياضية. يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

 

2- عبادات الخفاء: إن الوحشة بين الناس تُداوَى بالأنس بالله الخالق. اجعل لنفسك ركعات في جوف الليل، أو وردًا من الاستغفار والتدبر في طريقك للعمل. فمَن استأنس بالله لا يبالي برضا الناس ولا سخطهم.

 

3- مطالعة سير الأنبياء والصالحين: اقرأ عن المِحَن التي تعرَّض لها الأنبياء والصالحون والعلماء، وستدرك أنك تسير في طريق سار فيه العظماء من قبلك، مما يبعث في قلبك الطمأنينة، ويشد من أزرك.

 

حماية الأبناء من الانفصام الأخلاقي

 

وهذا هو التحدي الأكبر والمهمة الأعظم في حياتك الآن. فأطفالك أمانة في عنقك، وعليك حمايتهم من التشوش القيمي الذي يرونه خارج المنزل. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [سورة التحريم: 6]. وقال النبي ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» [متفق عليه].

 

وفي هذا الصدد أنصحك بالتالي:

 

1- اجعل البيت محضنًا آمنًا: بحيث يرى فيها الأطفال الالتزام المقترن بالرحمة والمزاح واللعب والاحتواء، حتى يرتبط الدين في أذهانهم بالحب والسعادة لا بالجمود.

 

2- بناء الحصانة بالحوار: لا تكتفِ بمنعهم من السلوكيات الخاطئة، بل تحاور معهم بأسلوب يناسب سنهم. إذا رأوا تناقضًا من الأقارب، فقل لهم بذكاء: «نحن نحب أقاربنا، لكن تصرفهم هذا يخالف ما أمرنا به الله -تعالى- ورسوله ﷺ، ونحن نتبع الله ورسوله».

 

3- توفير البدائل الترفيهية: اشترك لأطفالك في نوادٍ رياضية محافظة، أو في مراكز تربوية متخصصة، أو في حلقات قرآنية متميزة. هذه الأماكن تجمعهم بأطفال لآباء يحملون قيمك وهمومك نفسها، فتتشكل لهم صحبة صالحة منذ الصغر.

 

4- الرحلات والأنشطة الأسرية: وازن غياب الأنشطة العائلية الجماعية برحلات وأنشطة خاصة بأسرتك الصغيرة (زوجتك وأبنائك)؛ مثل السفر للعمرة، والنزهات الخلوية، والقراءة المشتركة، والمسابقات الدينية، مما يعمِّق ترابطهم بك.

 

وختامًا أخي الحبيب، تذكَّر دائمًا أن الثبات في زمن الفتن جهاد عظيم، وأن الأجر فيه يضاعف. فلا تدع ضيق الصدر يثبط همتك، بل حوِّل هذا الضيق إلى طاقة تنفع بها نفسك وأهل بيتك، وكن قدوة بأخلاقك وأمانتك المهنية، فرُبَّ موقف صدق وأمانة منك في عملك يعيد زميلًا تائهًا إلى طريق الحق دون أن تتكلم بكلمة واحدة.

 

اللهم يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرِّف قلوبنا إلى طاعتك. اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. اللهم يا مؤنس كل غريب، ويا صاحب كل وحيد، آنس وحشة أخينا، واشرح صدره، ويسِّر أمره، واحفظ له زوجته وذريته، واجعلهم هداة مهتدين، واجمعنا وإياه في فردوسك الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

روابط ذات صلة:

كيف تتقي «المتدينة» سخرية وتهميش زملائها في العمل؟

أشعر بالغربة في المجتمع.. هل هذا طبيعي؟

الرابط المختصر :