الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
277 - رقم الاستشارة : 3753
04/01/2026
السلام عليكم، أنا بنت عندي 29 سنة وشغالة إدارية في مدرسة، وبراعي ربنا جدًا في كل خطوة في حياتي. من سنتين عرفت شاب عن طريق موقع للزواج الحلال، والموضوع بدأ بنية واضحة جدًا إننا نرتبط رسمي. لقينا تفاهم فكري كبير بينا، وده خلاني أتعلق بيه عاطفيًا لدرجة عمري ما جربتها قبل كدة.
بعد سنة كاملة من الوعود، بدأت أحس إن مفيش خطوة رسمية بتتاخد والموضوع واقف مكانه. ولما واجهته وطلبت منه يجي يتقدم لي، بدأ يتحجج بظروف مادية صعبة ومشاكل عائلية مخلية الموضوع مستحيل دلوقتي.
حاولنا نبعد كتير، بس للأسف كنت أنا دايمًا الطرف الأضعف اللي بيحن ويرجع يكلمه تاني، لحد ما رضينا بوضع للأسف مسمينه صداقة، أو سند، لمجرد إني مش قادرة أتخيل حياتي من غيره، رغم إني عارفة ومقتنعة إن الوضع ده لا يرضي ربنا ولا مريح قلبي.
رحت لدكاترة نفسيين مرتين، وفهمت أبعاد المشكلة، بس لسه عاجزة تمامًا عن الابتعاد عنه وعدم التفكير فيه. قلبي متعلق بيه لدرجة معطلة حياتي، ومش قادرة أفتح باب لأي حد تاني يتقدم لي.
إزاي أرجع إرادتي تاني؟ وإيه رأي الشرع في المتاهة اللي بتسحب من روحي وديني دي؟
مرحبًا بك يا ابنتي العزيزة، وأشكر لك ثقتك بنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك، وينير بصيرتك، ويرزقك عزة النفس وقوة الإرادة، وأن يعوضك خيرًا مما فقدتِ، ويقر عينك بزوج صالح يكون لك سندًا حقيقيًّا في الدنيا والآخرة، وبعد...
فما تمرِّين به يا ابنتي هو «صراع بين القلب والعقل»، وهو من أصعب الابتلاءات التي قد تواجه النفس البشرية. إن شعورك بالذنب وحرصك على مراعاة الله في خطواتك هو «بصيص النور» الذي سيقودك للخروج من هذه المتاهة. إنك لست عاجزة، بل أنت في مرحلة «مخاض» لولادة إرادة جديدة تعيشين بها القادم من حياتك في سعادة واستقرار.
الميزان الشرعي لهذه العلاقة
عليك يا ابنتي أن تدركي يقينًا أن استمرار علاقتك بهذا الرجل تحت اسم «الصداقة» أو «السند» هو من باب «خداع النفس» الذي يزينه الشيطان. إن الشرع رغَّب في الارتباط بين الرجل والمرأة؛ لكنه وضع له بابًا وحيدًا هو «الزواج»، وما دون ذلك هو استنزاف للروح والقلب.
إن الشيطان لا يأمرك بالمعصية مباشرة، بل يبدأ بـ«خطوات» قال الله تعالى عنها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: 21]. بدأت العلاقة بنية زواج (خطوة طيبة)، ثم تحولت لتعلُّق، ثم لوعود، ثم لتعلُّق مَرَضي يمنعك من الحلال.
إن السكن والطمأنينة هما ثمرة العقد الشرعي، وما يؤخذ قبل أوانه يعاقب المرء بحرمانه أو شقائه به. يقول النبي ﷺ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لن تَمُوتَ حتى تَستكمِلَ رِزْقَها، فاتَّقُوا اللهَ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ» [صحيح الجامع]. ورزقك في الزواج سيأتيك عزيزةً مُكرَّمة، فلا تطلبيه بما يغضب الله.
حقيقة شخصية الطرف الآخر
من المنظور الاجتماعي، الرجل الذي يستمر سنتين في وعود دون خطوة رسمية واحدة (ولو بسيطة كخطبة رسمية)، هو رجل إما «غير جاد» وإما «غير قادر»، وفي كلتا الحالتين هو غير مناسب لبناء أسرة الآن.
وأنت الآن في سن النضج (29 سنة)، وهذا الشاب بوضعه الحالي يستهلك أغلى ما تملكين: «زمنك وجمال مشاعرك». وربطه لك تحت اسم «السند» هو نوع من الأنانية، فهو يريد إبقاءك في «منطقة الانتظار» ليرمم بك نقصه، بينما أنت تحترقين!
تعتقدين أنك لا تستطيعين العيش بدونه، وهذا ليس حبًّا بقدر ما هو وهم و«إدمان عاطفي». والأطباء النفسيون الذين زرتِهم شخَّصوا لك المرض، والدواء يبدأ بـ«الاعتراف» بأن هذه العلاقة «سامة» وليست ملاذًا.
كيف تستعيدين إرادتك؟
الإرادة ليست شيئًا ننتظره؛ بل هي فعل نمارسه. وإليك الخطوات لاستعادة ذاتك:
1- البتر التام: لا يوجد في هذه الحالات «تدرج». عليك قطع كل وسائل التواصل معه (حظر نهائي). قد تتألمين أسبوعًا أو شهرًا؛ لكنه ألم «التشافي»، أما البقاء فهو ألم «الاحتضار».
2- تجديد التوبة واليقين: اعتبري رجوعك لله هو «القوة» التي ستستندين إليها. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2 و3]. والمخرج من الضيق، والرزق بالزوج الصالح، كلاهما مرهون بتقوى الله وترك ما يغضبه.
3- تغيير البيئة الروتينية: أشغلي وقتك تمامًا. العمل الإداري في المدرسة يستهلك جهدًا؛ لكن بعد العمل ابحثي عن (حفظ قرآن، رياضة، دورات تطويرية، عمل تطوعي، هواية). فالنفس إن لم تشغليها بالحق شغلتك بالباطل.
4- افتحي الباب للقدر: إنك تغلقين الباب أمام «الحلال» بانتظار «وهم». اقبلي برؤية من يتقدمون لك، والتعرف عليهم؛ ليس بالضرورة للموافقة؛ بل لتكسري حاجز «الارتباط الوحيد» في عقلك، ولتدركي أن الدنيا مليئة بالصالحين.
وختامًا يا ابنتي، تذكَّري حديث النبي ﷺ: «إنك لن تدع شيئًا لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه» [رواه أحمد]. هذا وعد نبوي حق. اتركيه «لله» فقط، وليس لأنك كرهتِه، وسينزل الله على قلبك بردًا وسلامًا لم تذوقيه من قبل.
يا ابنتي، أنت جوهرة غالية، ولا يليق بهذه الجوهرة أن تكون «سندًا» مؤقتًا في الظلام؛ أو صديقة في الحرام؛ بل ملكة في بيت يُبنى على تقوى من الله ورضوان. استعيني بالصبر والصلاة، واعلمي أن الله أراد بك خيرًا حين جعلك تشعرين بضيق الصدر، فهذا علامة «حياة قلبك».
أسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يقدر لك الخير أينما كان.
روابط ذات صلة:
وعدني بالزواج وخدعني.. كيف أستعيد نفسي؟
ابتعد دون أسباب.. هل أنهي الخطبة؟