الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
36 - رقم الاستشارة : 4245
03/03/2026
أُداوم على أذكار الصباح والمساء، لكنني مع الأسف أشعر بأني أرددها بلساني فقط، دون حضور قلبي، وأحيانًا أسرع في قراءتها أو لا أقولها كلها لانشغالي بأمور أخرى. أشعر أنني أقولها لمجرد قضاء الواجب فقط.
فهل يتقبل الله مني ذِكره بهذه الطريقة؟
وهل يُعدّ فعلي هذا استخفافًا أو عدم احترام؟
وكيف أجعل قلبي حاضرًا مع كل ذكر؟
مرحبًا بك أخي الكريم في موقعنا، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يرزقك قلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وأن يتقبل منك صالح الأعمال، ويجعلنا وإياك من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، وبعد...
هل يتقبل الله الذِّكر باللسان دون حضور القلب؟
نعم، يتقبل الله منك -بإذنه وفضله- هذا الذِّكر، وتؤجَر على حركة لسانك به، وإن كان الأكمل هو حضور القلب. يقول الله –تعالى- في كتابه الكريم: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]، ولم يشترط الله في هذه الآية كمال الخشوع ليرتب عليه الجزاء، بل وعد بالذِّكر لكل مَن ذَكَره.
وذكر العلماء أن للذكر مراتب: ذكر القلب واللسان (وهو الأعلى)، ثم ذكر القلب وحده، ثم ذكر اللسان وحده. وذكر اللسان وحده فيه خير عظيم، فهو على الأقل يمنع اللسان من الغيبة واللغو، ويبقي العبد في حبل موصول مع ربه ولو بالحد الأدنى.
وفي الحديث القدسي، يقول الله عز وجل: «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معه إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلإٍ خَيْرٍ منهمْ» [رواه البخاري]. فمجرد انشغال لسانك بالذكر هو دليل على أنك في معية الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
هل الذكر باللسان فقط استخفاف أو عدم احترام؟
حاشا لله أن يكون حرصك على المداومة على الأذكار -رغم انشغالك- استخفافًا أو عدم احترام! بل هو مجاهدة محمودة. إن الاستخفاف هو الترك إعراضًا وزهدًا، أما حالك فهو حال المُحب المقصر الذي يحاول الحفاظ على وردِه رغم ضجيج الحياة من حوله.
كما أن شعورك بالذنب لأنك لا تخشع هو دليل على تعظيمك لشعائر الله، وهذا من تقوى القلوب؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
فاحمد الله أن استعمل جارحة من جوارحك (اللسان) في طاعته، ولم يستعملها في معصيته، ولو أراد أن يطردك لأسكت لسانك عن ذكره. فاستمر ولا تنقطع، فإن الشيطان يريدك أن تترك الذكر بالكلية بحجة عدم الخشوع.
كيف تجعل قلبك حاضرًا مع الذكر؟
الوصول إلى حضور القلب يحتاج إلى تدريب وليس مجرد رغبة، وإليك هذه الخطوات العملية:
1- فهم المعاني: لا يمكن للقلب أن يتفاعل مع كلمات لا يفهم عمقها. ابحث عن شرح بسيط لأذكار الصباح والمساء، واستشعر معانيها وأنت تتلفظ بها. فمثلًا عندما تقول: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث»، استشعر حاجتك إلى الله وافتقارك إلى غوثه لك، وهكذا.
2- ضبط الأوقات والبيئة: إذا كنت تقرأ الأذكار وأنت تقود السيارة مثلًا، أو وسط ضجيج العمل، فمن الطبيعي أن يتشتت قلبك. حاول أن تخصص بضع دقائق في مكان هادئ لقول الأذكار بتركيز وخشوع، بعيدًا عن المشتتات والمشاغل.
3- الكيف لا الكم: إذا شعرت بضيق الوقت، فبدلًا من قراءة كل الأذكار بسرعة البرق كأنك تقضي واجبًا، اختر بعض الأذكار، ورددها بتأمل وتؤدة، وأعطِ كل ذكر منها حقه من الخشوع والتأمل. فالقليل مع الحضور خير من الكثير مع الغفلة.
4- الدعاء قبل الذكر: قبل أن تبدأ، ادعُ الله: «اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». أي استعن بالله على جمع قلبك وحضور ذهنك.
5- تذكَّر الثمرة: استشعر أن هذه الأذكار هي حصنك الحصين. تخيل لو أنك تخرج لغابة مليئة بالوحوش، فهل ستلبس درعك بإهمال؟ أم ستتحفظ جيدًا وتعتني بضبطها؟ الأذكار هي درعك ضد شياطين الإنس والجن، وضد ضيق الصدر، فالبس درعك بإتقان.
وختامًا أخي الكريم، لا تجعل الشيطان يزهدك في ذكر اللسان بحجة غياب القلب؛ بل ارتقِ بذكر لسانك تدريجيًّا حتى يستيقظ قلبك. وأنت على خير عظيم ما دمت حريصًا ومهمومًا بصلتك بربك.
أسأل الله العلي القدير أن يفيض على قلبك من أنوار ذكره، وأن يجعلك ممن إذا ذكروا الله وجلت قلوبهم، وإذا قرؤوا آياته أو تُلِيَت عليهم زادتهم إيمانًا. اللهم طهِّر قلوبنا من الغفلة، وألسنتنا من اللغو، واجعلنا من المقبولين. اللهم آمين.
روابط ذات صلة:
يقرأ القرآن ولا يتأثر.. ما السبيل إلى حضور القلب؟
ما فلسفة الأذكار؟ وما أسرار الأعداد الواردة فيها؟
كيف أستعيد حلاوة الصلاة والذكر؟