الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : علوم القرآن والحديث
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
880 - رقم الاستشارة : 3550
12/12/2025
ما المعنى المقصود من الباقيات الصالحات في قوله تعالى ﴿المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46]
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فالتفسير الأكثر شهرة والذي ورد عن النبي ﷺ وعن الصحابة الكرام هو أن "الباقيات الصالحات" هي كلمات تسبيح وذكر محددة؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: "اسْتَكْثِرُوا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ"، قِيلَ: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "التَّكْبِيرُ، وَالتَّهْلِيلُ، وَالتَّسْبِيحُ، وَالْحَمْدُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ".
غراس الجنة
وهذه الكلمات هي غراس الجنة، كما أخبرنا النبي ﷺ. هي خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان، حبيبة إلى الرحمن. وهي "باقيات"؛ لأن أثرها وثوابها يبقى لك بعد موتك، بينما المال والبنون يتركهما الإنسان خلفه.
يقول الفخر الرازي – رحمه الله – في مفاتح الغيب:
وتقرير هذا الدليل أن خيرات الدنيا منقرضة منقضية وخيرات الآخرة دائمة باقية والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي وهذا معلوم بالضرورة، لا سيما إذا ثبت أن خيرات الدنيا خسيسة حقيرة وأن خيرات الآخرة عالية رفيعة؛ لأن خيرات الدنيا حسية وخيرات الآخرة عقلية والعقلية أشرف من الحسية بكثير بالدلائل المذكورة في تفسير قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض) في بيان أن الإدراكات العقلية أفضل من الحسية، وإذا كان كذلك كان مجموع السعادات العقلية والحسية هي السعادات الأخروية فوجب أن تكون أفضل من السعادات الحسية الدنيوية.
أقوال المفسرين في الباقيات الصالحات
والمفسرون ذكروا في الباقيات الصالحات أقوالاً قيل إنها قولنا: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر»، وللشيخ الغزالي رحمه الله في تفسير هذه الكلمات وجه لطيف، فقال: روي أن من قال سبحان الله حصل له من الثواب عشر مرات، فإذا قال والحمد لله صارت عشرين، فإذا قال: ولا إله إلا الله صارت ثلاثين، فإذا قال والله أكبر صارت أربعين.
قال وتحقيق القول فيه أن أعظم مراتب الثواب هو الاستغراق في معرفة الله وفي محبته، فإذا قال سبحان الله فقد عرف كونه سبحانه منزهًا عن كل ما لا ينبغي، فحصول هذا العرفان سعادة عظيمة وبهجة كاملة، فإذا قال مع ذلك والحمد لله فقد أقر بأن الحق سبحانه مع كونه منزهًا عن كل ما لا ينبغي فهو المبدأ لإفادة كل ما ينبغي ولإفاضة كل خير وكمال فقد تضاعفت درجات المعرفة فلا جرم قلنا تضاعف الثوابز
فإذا قال مع ذلك ولا إله إلا الله فقد أقر بأن الذي تنزه عن كل ما لا ينبغي فهو المبدأ لكل ما ينبغي وليس في الوجود موجود هكذا إلا الواحد فقد صارت مراتب المعرفة ثلاثة فلا جرم صارت درجات الثواب ثلاثة، فإذا قال والله أكبر معناه أنه أكبر وأعظم من أن يصل العقل إلى كنه كبريائه وجلاله فقد صارت مراتب المعرفة أربعة لا جرم صارت درجات الثواب أربعة.
والقول الثاني: أن الباقيات الصالحات هي الصلوات الخمس.
والقول الثالث: أنها الطيب من القول كما قال تعالى: (وهدوا إلى الطيب من القول).
والقول الرابع: أن كل عمل وقول دعاك إلى الاشتغال بمعرفة الله وبمحبته وخدمته فهو الباقيات الصالحات وكل عمل وقول دعاك إلى الاشتغال بأحوال الخلق فهو خارج عن ذلك، وذلك أن كل ما سوى الحق سبحانه فهو فان لذاته هالك لذاته فكان الاشتغال به والالتفات إليه عملا باطلاً وسعيًا ضائعًا.
أما الحق لذاته فهو الباقي لا يقبل الزوال لا جرم كان الاشتغال بمعرفة الله ومحبته وطاعته هو الذي يبقى بقاء لا يزول ولا يفنى ثم قال تعالى: (خير عند ربك ثوابا وخير أملا)، أي كل عمل أريد به وجه الله فلا شك أن ما يتعلق به من الثواب وما يتعلق به من الأمل يكون خيرًا وأفضل؛ لأن صاحب تلك الأعمال يؤمل في الدنيا ثواب الله ونصيبه في الآخرة.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة: