الإصر الذي حمله الله على بني إسرائيل وقتلهم أنفسهم

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
  • القسم : علوم القرآن والحديث
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 728
  • رقم الاستشارة : 2378
17/08/2025

استمعت إلى فيديو للشيخ الشعراوى يفسر فيه كلمة "إصر" فى القرآن الكريم وذكر أنه انزلت اليهود فى بعض آيات القرآن وذكر أن التوبة عند اليهود كانت تتم بأن يقتل التائب نفسه وأن الخطأ فيه قصاص وليس دية على ما أذكر. فهل هذا صحيح وهل فعلا على كل من ارتكب أى معصية فى بنى إسرائيل لكى يتوب يقتل نفسه؟

الإجابة 17/08/2025

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فقد أثبت القرآن في أكثر من موضع أن الله سبحانه وتعالى قد عاقب اليهود بتحريم الطيبات عليهم بسبب ما وقعوا فيه من الذنوب، يقول الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: 160].

 

أما المساواة بين القتل الخطأ والقتل العمد في العقوبة فلم أجد شيئًا يؤكد هذه المعلومة، ومعظم ما ذكره الشيخ –رحمه الله- صحيح حسب بعض الروايات الكثيرة في التفسير وبعضها أرجح من بعض، وأما قتلهم أنفسهم فكان تشديدًا عليهم أن يقتل الطائع العاصي ثم رفع ببركة دعاء موسى لهم.

 

يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 54].

 

ويقول الأستاذ سيد قطب في تفسير الظلال:

 

ولم يكن بد من التطهير القاسي؛ فهذه الطبيعة المنهارة الخاوية لا تُقوِّمها إلا كفارة صارمة، وتأديب عنيف. عنيف في طريقته وفي حقيقته: (وإذ قال موسى لقومه: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل، فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم. ذلكم خير لكم عند بارئكم...) أقتلوا أنفسكم. ليقتل الطائع منكم العاصي. ليطهره ويطهر نفسه.. هكذا وردت الروايات عن تلك الكفارة العنيفة.. وإنه لتكليف مرهق شاق، أن يقتل الأخ أخاه، فكأنما يقتل نفسه برضاه. ولكنه كذلك كان تربية لتلك الطبيعة المنهارة الخوارة، التي لا تتماسك عن شر، ولا تتناهى عن نكر. ولو تناهوا عن المنكر في غيبة نبيهم ما عبدوا العجل. وإذ لم يتناهوا بالكلام فليتناهوا بالحسام؛ وليؤدوا الضريبة الفادحة الثقيلة التي تنفعهم وتربيهم! وهنا تدركهم رحمة الله بعد التطهير (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم..). أ.هـ.

 

لكنهم سرعان ما عادوا إلى طغيانهم وعنادهم، وقالوا أرنا الله جهرنا، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: 55].

 

وقد رفع الله هذا الإصر عن المسلمين من أمة محمد ببركة نبيهم وطاعتهم له، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157].

 

وقد علمنا الله هذا الدعاء الجميل الذي يلجأ فيه المسلم إلى رب العالمين الرحمن الرحيم الودود حتى لا يحمّلنا ما لا طاقة لنا به، ولا يحمل علينا إصرًا كما حمله على الذين من قبلنا ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286].

 

والله تعالى أعلى وأعلم.

الرابط المختصر :