كيف يأمر الله أهل الكتاب باتباع التوراة والإنجيل بعد نزول القرآن؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
  • القسم : علوم القرآن والحديث
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 147
  • رقم الاستشارة : 3786
10/01/2026

يقول الله تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 68] فهل يأمر القرآن الكريم أهل الكتاب بإقامة التوراة والإنجيل على الرغم من بطلانها؟

الإجابة 10/01/2026

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فقد اختلف أهل التفسير والتأويل حول هذه الآية، والأقرب إلى الصواب أنها أمر من الله تعالى بإقامة التوراة والانجيل الحقة قبل تحريفها، ولو أقاموها حقًّا لدخلوا في هذا الدين الجديد أفواجًا، فقد بشرت كتبهم السماوية بهذا النبي الكريم، وعلى الرغم من تحريفها فهم لا يقيمونها حقًّا، فأكلوا الربا وقد نهوا عنه، وأبطلوا الحدود بغير حق، وحرموا ما أحل الله تعالى، وأحلوا ما حرم الله عز وجل، فلا هم أبقوا عليها دون تحريف، ولا هم اتبعوا ما بقي منها بعد تحريفها، فكانت هذه الدعوة من النبي صادمة وزادتهم طغيانًا وكفرًا كما أخبر الله تعالى في كتابه الكريم.

 

يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 68].

 

يقول العلامة القاسمي -رحمه الله – في محاسن التأويل:

 

قال بعض المحققين: معنى قوله تعالى: (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) أي: تعملوا طبق الواجب بأحكامهما، وتحيوا شرائعهما، وتطيعوا أوامرهما، وتنتهوا بنواهيهما.

 

فإن الإقامة هي الإتيان بالعمل على أحسن أوجهه، كإقامة الصلاة مثلا. أي فعلها على الوجه اللائق بها.

 

ولا يدخل في ذلك القصص التي فيهما، ولا العقائد ونحوها، فإنها ليست عملية.

 

والمراد: أن يعملوا بما بقي عندهم من أحكام التوراة والإنجيل على علاته، وعلى ما به من نقص وتحريف وزيادة. فإن شرائع هذه الكتب وأوامرها ونواهيها هي أقل أقسامها تحريفًا، وأكثر التحريف في القصص والأخبار والعقائد وما ماثلها، وهي لا تدخل في الأمر بالإقامة.

 

ولا شك أن أحكام التوراة والإنجيل وما فيهما من شرائع ومواعظ ونصائح ونحوها، لا تزال فيهما أشياء كثيرة لا عيب فيها، ونافعة للبشر وفيها هداية عظمى للناس، فهي مما يدخل تحت قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ) [آل عمران: 3- 4]، فإذا أقام أهل الكتاب أحكامهما على علاتها، كانوا لا شك على شيء يعتد به ويصح أن يسمى دينًا.

 

وإذا لم يقيموهما، وجروا على خلافهما، كانوا مجردين من كل شيء يستحق أن يسمى دينًا. وكانوا مشاغبين معاندين، وبدينهم غير مؤمنين إيمانًا كاملاً، وهذا معنى صحيح، وهو المتبادر من الآية.

 

فأي شيء في هذا المعنى يدل على عدم تحريف التوراة والإنجيل وعلى وجودهما كاملين، كما يدعي ذلك المكابرون من أهلهما، وخصوصًا بعد قوله تعالى: (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ؟) [المائدة: 13].

 

ولك أن تقول: معنى قوله تعالى: (لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ): الحقيقيّين؛ وذلك يستلزم البحث والتنقيب، والجد والاجتهاد، في نقد ما عندهم منهما نقدًا عقليًّا تاريخيًّا صحيحًا، حتى يستخلصوا حقهما من باطلهما بقدر الإمكان.

 

ونتيجة ذلك العناء كلّه: أن يكونوا على شيء من الدين الحقّ، وهذا أمر لا شبهة فيه.

 

ولو اتبعوا القرآن: لأراحوا، واستراحوا. ولكنهم- كما أخبر تعالى عنهم- لا يزيدهم القرآن إلّا طغيانًا وكفرًا، حسدًا وعنادًا فلا يؤمنون به. ولا يهتم جمهورهم بإصلاح دينهم من المفاسد وتنقيته من الشوائب. فلم يدركوا خير هذا ولا ذاك.

 

فكأن الآية تريهم أنهم إذا لم يتبعوا القرآن: يجب عليهم القيام بعبء ثقيل جدًّا من البحث والتمحيص، وبعد ذلك يكونون على شيء من الحق، لا على الحق كله، ولو أقاموا التوراة والإنجيل الحقيقيين غاية الإقامة، فما بالك إذا كان ذلك مستحيلاً لعدم وجودهما على حقيقتهما؟

 

فهم ليسوا على شيء مطلقا. ولا يمكن أن يكونوا عليه. فإن كتبهم قد صارت خلقة بالية. لذلك قال رسول الله ﷺ لعمر رضي الله عنه، حينما رأى ورقة من التوراة بيده: ألم آتكم بها بيضاء نقية؟ والله لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلّا اتباعي.

 

(فإن قيل): وكيف يحثهم الله على العمل بأي شيء من دينهم، ومنه ما جاء القرآن ناسخًا له؟ (قلت): لا شك عند كل عاقل: أنه خير لأهل الكتاب أن يعملوا بشرائع دينهم الأصلية، فإنهم حينئذ يتجنبون الكذب والتحريف والعناد، والأذى والإفساد في الأرض، وإهلاك الحرث والنسل والزنى، وغير ذلك مما يعمله الناس.

 

فمراد القرآن على التفسير الأول للآية: حثهم -إن أصروا على عدم الإيمان به- على العمل بدينهم على الأقل، ليستريح النبي وأتباعه من أكثر شرورهم ورذائلهم. ولكن بعد العمل بدينهم لا يكونون على الدين الحق الكامل، بل الذي يفهم من الآية: أنهم يكونون على شيء من الدين، وهو- ولا شك- خير من لا شيء.

 

ولا يفهم أنهم يكونون على الحق كله، وعلى الدين الكامل الذي لا غاية أعظم منه، فإن ذلك لا يكون إلّا بالإسلام: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) [آل عمران: 83]. انتهى.

 

ولا يخفى أنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل، آمنوا بمحمد ﷺ لما تتقاضى إقامتُهما الإيمانَ به؛ إذ كثر ما جاء فيهما من البشارات به والتنويه باسمه ودينه، فإقامتهما على وجوههما: تستدعي الإسلام البتة، بل هي هو. أ. هـ باختصار وتصرف.

 

ويقول العلامة الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله في تفسير المنار:

 

قل: لِأَهْلِ الْكِتَابِ، مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فِيمَا تُبَلِّغُهُمْ عَنِ اللهِ تَعَالَى (لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ) يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، وَلَا يَنْفَعُكُمُ الِانْتِسَابُ إِلَى مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيِّينَ (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) فِيمَا دَعيَا إِلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَفِيمَا بَشَّرَا بِهِ مِنْ بَعْثَةِ النَّبِيِّ الَّذِي يَجِيءُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الْمَسِيحُ بِرُوحِ الْحَقِّ، (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) عَلَى لِسَانِهِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَكْمَلَ بِهِ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، عَلَى حَسَبِ سُنَّتِهِ فِي النُّشُوءِ وَالِارْتِقَاءِ بِالتَّدْرِيجِ.

 

وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ: مَا أُنْزِلَ عَلَى سَائِرِ أَنْبِيَائِهِمْ، كَمَا قِيلَ مِثْلُهُ فِي آيَةِ: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ)...؛ إِلَّا أَنَّ ذَاكَ حِكَايَةٌ مَاضِيَةٌ، وَهَذَا بَيَانٌ لِلْحَالِ الْحَاضِرَةِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فِي الزَّمَنَيْنِ قَائِمَةٌ; فَهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُقِيمِينَ لِتِلْكَ الْكُتُبِ قَبْلَ هَذَا الْخِطَابِ، وَلَا فِي وَقْتِهِ، وَلَا كَانَ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ أَنْ يُقِيمُوهَا فِي عَهْدِهِ، كَمَا أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُقِيمُوهَا الْآنَ.

 

فَهَذَا تَعْجِيزٌ لَهُمْ، وَتَفْنِيدٌ لِدَعْوَاهُمُ الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ اتِّبَاعِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، بِاتِّبَاعِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمُ السَّابِقِينَ، وَلَا يَتَضَمَّنُ الشَّهَادَةَ بِسَلَامَةِ تِلْكَ الْكُتُبِ مِنَ التَّحْرِيفِ.

 

وَمِثْلُهُ: أَنْ تَقُولَ الْآنَ لِدُعَاةِ النَّصْرَانِيَّةِ مِنَ الْأَمْرِيكَانِ وَالْأَلْمَانِ وَالْإِنْكِلِيزِ: يَا أَيُّهَا الدَّاعُونَ لَنَا إِلَى اتِّبَاعِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، نَحْنُ لَا نَعْتَدُّ بِكُمْ، وَلَا نَرَى أَنَّكُمْ عَلَى إِيمَانٍ وَثِقَةٍ بِدِينِكُمْ، وَصِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ فِي دَعْوَتِكُمْ، حَتَّى تُقِيمُوا أَنْتُمْ وَأَهْلُ مِلَّتِكُمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ اللَّذَيْنِ فِي أَيْدِيكُمْ، فَتُحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَتُبَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ، وَتُعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ، وَتَخْضَعُوا لِكُلِّ سُلْطَةٍ; لِأَنَّهَا مِنَ اللهِ، وَإِذَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فَلَا تَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، بَلْ أَدِيرُوا لَهُ الْخَدَّ الْأَيْسَرَ إِذَا ضَرَبَكُمْ عَلَى الْخَدِّ الْأَيْمَنِ، وَاتْرُكُوا التَّنَافُسَ فِي إِعْدَادِ آلَاتِ الْفَتْكِ الْجُهَنَّمِيَّةِ; لِيَكُونَ لِلنَّاسِ السَّلَامُ فِي الْأَرْضِ، وَاخْرُجُوا مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ وَالثَّرْوَةِ الْوَاسِعَةِ; لِأَنَّ الْغَنِيَّ لَا يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، وَلَا تَهْتَمُّوا بِرِزْقِ الْغَدِ... إِلَخْ.

 

وَنَحْنُ نَرَاكُمْ عَلَى نَقِيضِ كُلِّ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ; فَأَنْتُمْ لَا تَخْضَعُونَ لِكُلِّ حَاكِمٍ، بَلْ مَيَّزْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَاسْتَعْلَيْتُمْ عَلَى الشَّرَائِعِ وَالْحُكَّامِ مِنْ غَيْرِكُمْ، وَإِذَا اعْتُدِيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ تُجَرِّدُونَ سُيُوفَ دَوْلَتِكُمْ، وَتُصَوِّبُونَ مَدَافِعَهَا عَلَى بِلَادِ الْمُعْتَدِي وَدَوْلَتِهِ، لَا عَلَيْهِ وَحْدَهُ; حَتَّى تَنْتَقِمُوا لِأَنْفُسِكُمْ بِأَضْعَافِ مَا اعْتَدَى بِهِ عَلَيْكُمْ، وَلَا هَمَّ لِأُمَمِكُمْ وَدُوَلِكُمْ إِلَّا امْتِلَاكُ ثَرْوَةِ الْعَالَمِ وَزَيَّنَتِهِ وَنَعِيمِهِ، وَتَسْخِيرِ غَيْرِكُمْ مِنَ الْأُمَمِ لِخِدْمَتِكُمْ بِالْقُوَّةِ الْقَاهِرَةِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِسَحْقِ مَنْ يُنَافِسُكُمْ فِي مَجْدِ هَذَا الْعَالَمِ الْفَانِي; لِعَدَمِ اهْتِمَامِكُمْ بِمَجْدِ الْمَلَكُوتِ الْبَاقِي.

 

فَنَحْنُ لَا نُصَدِّقُ بِأَنَّكُمْ تَدِينُونَ اللهَ بِهَذِهِ الْكُتُبِ الَّتِي تَدْعُونَنَا إِلَيْهَا، حَتَّى تُقِيمُوهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَهَلْ يَعُدُّ دُعَاةُ النَّصْرَانِيَّةِ مِثْلَ هَذَا الْخِطَابِ لَهُمُ، اعْتِرَافًا مِنَّا بِسَلَامَةِ كُتُبِهِمْ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؟ أَمْ يَفْهَمُونَ أَنَّهُ حُجَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّسْلِيمِ الْجَدَلِيِّ لِأَجْلِ الْإِلْزَامِ؟

 

نَعَمْ، يَفْهَمُونَ هَذَا، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ شَهَادَةٌ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِالسَّلَامَةِ مِنَ التَّحْرِيفِ!" أ. هـ.

 

ويقول الأستاذ سيد قطب في تفسير الظلال:

 

وحينما كلف الرسول ﷺ أن يواجههم بأنهم ليسوا على شيء من الدين والعقيدة والإيمان.. بل ليسوا على شيء أصلا يرتكن عليه! حينما كلف الرسول ﷺ بمواجهتهم هذه المواجهة الحاسمة الفاصلة، كانوا يتلون كتبهم؛ وكانوا يتخذون لأنفسهم صفة اليهودية أو النصرانية؛ وكانوا يقولون: إنهم مؤمنون..

 

ولكن التبليغ الذي كلف رسول الله ﷺ أن يواجههم به، لم يعترف لهم بشيء أصلاً إلا مما كانوا يزعمون لأنفسهم، لأن الدين ليس كلمات تقال باللسان؛ وليس كتبا تقرأ وترتل؛ وليس صفة تورث وتدعى. إنما الدين منهج حياة. منهج يشمل العقيدة المستسرة في الضمير، والعبادة الممثلة في الشعائر، والعبادة التي تتمثل في إقامة نظام الحياة كلها على أساس هذا المنهج.

 

ولما لم يكن أهل الكتاب يقيمون الدين على قواعده هذه، فقد كلف الرسول ﷺ أن يواجههم بأنهم ليسوا على دين وليسوا على شيء أصلاً من هذا القبيل! وإقامة التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، مقتضاها الأول الدخول في دين الله الذي جاء به محمد ﷺ فقد أخذ الله عليهم الميثاق أن يؤمنوا بكل رسول ويعزروه وينصروه، وصفة محمد وقومه عندهم في التوراة وعندهم في الإنجيل - كما أخبر الله وهو أصدق القائلين - فهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم: سواء أكان المقصود بقوله: (وما أنزل إليهم من ربهم) هو القرآن - كما يقول بعض المفسرين - أم هو الكتب الأخرى التي أنزلت لهم كزبور داود].

 

نقول إنهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم إلا أن يدخلوا في الدين الجديد، الذي يصدق ما بين يديهم ويهيمن عليه.. فهم ليسوا على شيء - بشهادة الله سبحانه - حتى يدخلوا في الدين الأخير.

 

والرسول ﷺ قد كلف أن يواجههم بهذا القرار الإلهي في شأنهم؛ وأن يبلغهم حقيقة صفتهم وموقفهم؛ وإلا فما بلغ رسالة ربه، ويا له من تهديد! وكأن الله - سبحانه - يعلم أن مواجهتهم بهذه الحقيقة الحاسمة، وبهذه الكلمة الفاصلة، ستؤدي إلى أن تزيد كثيرًا منهم طغيانا وكفرا، وعنادا ولجاجا.. ولكن هذا لم يمنع من أمر الرسول ﷺ أن يواجههم بها؛ وألا يأسى على ما يصيبهم من الكفر والطغيان والظلال والشرود بسبب مواجهتهم بها؛ لأن حكمته - سبحانه - تقتضي أن يصدع بكلمة الحق؛ وأن تترتب عليها آثارها في نفوس الخلق فيهتدي من يهتدي عن بينة، ويضل من يضل عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة. أ. هـ باختصار وتصرف يسير.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

كيف نؤمن بالكتب السابقة رغم تحريفها؟ ولماذا لم تُحفظ كالقرآن؟

الرابط المختصر :