الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : علوم القرآن والحديث
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
677 - رقم الاستشارة : 4074
10/02/2026
سمعنا عن رجل اسمه محمد شحرور يتكلم كثيرا في الثوات مثل الحدود وحجاب المرأة والميراث ، وبعض الناس يفتنون بهذه الآراء فما موقف الشرع من أفكاره؟
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
محمد شحرور (1938-2019) هو مهندس مدني درس في روسيا لم يدرس العلوم الشرعية دراسة أكاديمية تقليدية في الجامعات الإسلامية المعتبرة، بل اعتمد على دراسته الشخصية للقرآن واللغة العربية، مطبقًا عليها مناهج حديثة، مثل المنهج اللغوي والبنيوي، ليقدم ما أسماه "قراءة معاصرة للقرآن".
وقد اجتهد الرجل دون أن يملك أدوات الاجتهاد، وبالتالي أخطأ أخطاء جسيمة؛ لأنه لم يستوف شروط الاجتهاد.
فقد فهم القرآن فهمًا غريبًا شاذًّا لم يسبق إليه، وأنكر الحجاب والحدود، وبالتالي لا يؤخذ منه علم، ولا يصح نسبته إلى المفكرين المسلمين كما يحلو للبعض أن يصفه.
محمد شحرور وكتابه عن القرآن
اشتهر بشكل واسع بعد صدور كتابه الأول "الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة" عام 1990، والذي طرح فيه منهجًا جديدًا كليًّا في فهم وتفسير القرآن الكريم، يختلف جذريًّا عن المناهج التي استقر عليها علماء الإسلام عبر القرون.
أفكار شحرور متشعبة، ولكن يمكن تلخيص أهم النقاط التي خالف بها إجماع المسلمين فيما يلي:
أولاً: التفريق بين "الكتاب" و"القرآن" و"أم الكتاب":
يرى أن الوحي الذي نزل على النبي ﷺ ليس شيئًا واحدًا، بل هو ثلاثة أجزاء:
1- أم الكتاب: هي المحرمات الأساسية والقيم الأخلاقية العليا (مثل تحريم الشرك والقتل والزنا). وهي عنده ثابتة لا تتغير.
2- القرآن: هو الآيات التي تتحدث عن قصص الأمم السابقة والغيبيات والآخرة. وهي للعبرة والتذكرة.
3- الكتاب (التفصيل): هو الجزء الذي يحوي الأحكام التشريعية والتفصيلية (مثل الصلاة، الزكاة، الميراث). ويرى أن هذا الجزء متغير ويمكن إعادة فهمه وتطبيقه بما يناسب كل عصر.
الموقف الإسلامي العام: هذا التفريق مبتدع ولا أصل له. القرآن الكريم كله كلام الله، وهو "كتاب" و"قرآن" و"ذكر". قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9). وقد أجمع المسلمون على أن الوحي المحفوظ بين دفتي المصحف هو مصدر واحد للتشريع والعقيدة والأخلاق.
ثانيًا: إنكار الترادف في اللغة العربية والقرآن:
من أهم قواعد منهجه هو أنه لا يوجد كلمتان في القرآن لهما نفس المعنى تمامًا (لا يوجد ترادف). بناءً على هذه القاعدة، أعاد تعريف مصطلحات قرآنية أساسية بمعانٍ جديدة تمامًا، مثل:
1- النبي والرسول: فرّق بينهما بطريقة تخالف ما استقر عليه أهل العلم.
2- الإيمان والإسلام: جعل لهما معاني مختلفة تؤدي إلى نتائج خطيرة في فهم أركان الدين.
3- الموقف الإسلامي العام: إنكار الترادف بشكل مطلق في اللغة العربية هو قول ضعيف ومخالف لما عليه جمهور اللغويين. وتطبيقه على القرآن بهذا الشكل أدى إلى تحريف معاني النصوص الشرعية الراسخة.
ثالثًا: إعادة تفسير "السنة النبوية":
1- يرى أن السنة النبوية التي يجب اتباعها هي فقط ما تعلق بـ"أم الكتاب" (الأخلاق العامة) وشعائر العبادات (مثل هيئة الصلاة والحج).
2- أما السنة التشريعية التي تتعلق بتنظيم المجتمع (مثل العقوبات والسياسة والمعاملات)، فيراها "اجتهادًا نبويًّا تاريخيًّا" خاصًّا بزمانه ومكانه، وغير ملزم للمسلمين اليوم. وهذا يُفضي عمليًّا إلى تعطيل جزء كبير من السنة الصحيحة.
3- الموقف الإسلامي العام: هذا الكلام يهدم أحد أصول الدين الكبرى. فقد أمرنا الله بطاعة النبي ﷺ طاعة مطلقة في كل ما يأمر به وينهى عنه. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: 7). والسنة هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن بإجماع الأمة.
رابعًا: مفهوم "الحدود" في الشريعة:
1- من أخطر أفكاره هو نظريته عن "الحدود". فهو يرى أن أحكام الله ليست نقطة واحدة ثابتة (حد واحد)، بل هي "نطاق" له حد أدنى وحد أعلى، والمشرّع البشري له حرية الاختيار داخل هذا النطاق.
2- مثال الميراث: يرى أن الأنصبة المذكورة في القرآن (للذكر مثل حظ الأنثيين) هي "الحد الأعلى" لظلم المرأة، ويجوز للدولة أن تشرّع المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في الميراث لأنها ضمن "الحدود" الإلهية.
3- الموقف الإسلامي العام: هذا تحريف صريح للنص القرآني. فالله سبحانه وتعالى حين فرض المواريث قال عنها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (النساء: 13-14). فالآيات واضحة بأن هذه الفرائض هي "حدود الله" التي لا يجوز تعديها، وتوعد من يتعداها بالنار.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة: