الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : العلاقة بالقرآن
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
257 - رقم الاستشارة : 3482
03/12/2025
السلام عليكم، وبارك الله فيكم. أحاول الحفاظ على ورد يومي من القرآن الكريم. ولكن مشكلتي أنني أقرأ بلساني وقلبي في وادٍ آخر.
تمر علي آيات العذاب والنعيم فلا يقشعر جلدي ولا تدمع عيني، بينما أرى غيري يتأثرون بشدة.
أخشى أن يكون هذا هو الران الذي يغشى القلوب، أو أن إيماني ضعيف.
كيف أستشعر عظمة الله سبحانه عند تلاوة كتابه؟
وهل قراءتي دون تدبر مقبولة؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأسأل المولى -عز وجل- أن يشرح صدرك، وينير دربك، ويزيدك إيمانًا وتدبرًا لكتابه الكريم، وأن يجعلنا وإياك من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، وبعد...
فإن القرآن الكريم ليس مجرد نصوص تُتلى باللسان، بل هو منهج حياة، وشفاء لما في الصدور، ونور للقلوب. قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: 15]. وما طرحته أخي الحبيب هو ما يشعر به كثير من المسلمين عند تلاوة القرآن، ويتعلق بـ«حضور القلب» عند هذه التلاوة.
إن تلاوة القرآن دون تدبر أشبه برسالة قيمة تصل إليك مكتوبة بلغة لا تفهمها؛ فترى كلماتها وتمر عليها؛ لكنها لا تحدث الأثر المطلوب في نفسك وحياتك. فكيف السبيل إلى تذوق حلاوة هذا الكلام الرباني؟
هل لديك «ران» على قلبك؟
ما تشعر به -أخي الحبيب- ليس بالضرورة أن يكون كذلك، فالران هو الحجاب الذي يغطي القلب ويمنعه من رؤية الحقائق والاتعاظ. قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]. والمفسرون يقولون إن الران هو تراكم الذنوب والمعاصي شيئًا فشيئًا حتى تغطي القلب كله.
ولا أظنك يا أخي من هؤلاء الذين غطّى الران قلوبهم، فالشخص الذي على قلبه ران لا يخشى ولا يخاف من أن يكون على قلبه ران!
إن مجرد شعورك بالخوف وسؤالك عن كيفية التدبر هو أكبر دليل على أن قلبك حي ويقظ، ولكنه يحتاج فقط إلى بعض الصقل والمجاهدة.
هل قراءتك دون تدبر مقبولة؟
نعم يا أخي، قراءتك مقبولة ومأجور عليها بإذن الله تعالى، ولكنها ليست هي الغاية الكبرى. فبمجرد التلاوة تنال الحسنات، يقول النبي ﷺ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: الم كَلِمَةٌ، وَلَكِنْ: أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ» [رواه الترمذي]. وهذا يعني أنك لست خاسرًا أبدًا ما دمت مع القرآن، ولكن بالتدبر يزداد الأجر ويربو ويضاعف. فالدرجة العليا والمنزلة الأكمل هي للقارئ الذي يتلو ويجد المشقة في إتقانه والتدبر فيه.
فاستمر يا أخي في قراءتك اليومية، ولا تتوقف خوفًا من عدم التدبر، فالتدبر رحلة تحتاج إلى صبر ومجاهدة، والبداية تكون بالاستمرار في الورد اليومي.
كيف تستشعر عظمة الله عند تلاوة كتابه؟
إن استشعار عظمة الله –تعالى- عند تلاوة كتابه هو لب التدبر، وهو الغاية التي يسعى إليها القارئ الصادق. وإليك بعض المفاتيح العملية والمنهجية لتحقيق هذا الاستشعار:
1- اليقين بأن القرآن هو كلام الله عز وجل:
هذا هو الأساس. فعليك أن تستحضر وأنت تقرأ أنك تسمع وتتلقى كلام المتكلم الأعظم، خالق الكون ومدبر الأمر. فلا يوجد كلام في الوجود يمكن أن يرقى إلى عظمة هذا الكلام.
2. التفاعل الوجداني مع الآيات:
التدبر ليس مجرد فهم المعنى عقليًّا؛ بل هو تفاعل القلب مع الآيات، وكأنها تنزل عليك أنت في لحظة قراءتها.
فمع آيات الأمر والنهي: استشعر أن الله يأمرك الآن وينهاك، وقل بلسان حالك: سمعت وأطعت.
ومع آيات الوعد والنعيم: اسأل الله من فضله، وتلذذ بما أعده لعباده الصالحين، واعمل لأجل هذا النعيم.
ومع آيات الوعيد والعذاب: استشعر الخوف من الله، وارجُ النجاة من النار، واستعذ بالله. يقول الله –تعالى- واصفًا حال المؤمنين الخاشعين: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23]. هذه الآية تصف الحالة التي تسعى إليها: قشعريرة خوف، ثم لين وطمأنينة رجاء.
3- الاستعانة بكتب التفسير الميسرة:
قد يكون حاجز عدم الفهم العميق هو سبب عدم التأثر. فلا تكتفِ بفهمك أنت الذي قد يكون سطحيًّا، وقد يكون خاطئًا أصلًا؛ بل اقرأ ولو تفسيرًا مختصرًا للآيات التي تتلوها. فالفهم العميق هو جسر الوصول إلى التدبر.
4- التمهُّل والتحسين والتكرار:
القراءة بسرعة تمنع القلب من الاستيعاب. فاجعل لسانك خادمًا لقلبك، لا مسابقًا له. قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]. وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النبي ﷺ يقرأ السورة فيرتِّلها، حتى تكون أطول من أطول منها» [رواه مسلم].
5- اختيار الوقت والمكان المناسبين:
اجعل تلاوتك في وقت السكون والهدوء، بعيدًا عن ضجيج الدنيا، كجوف الليل أو بعد صلاة الفجر. وفي مكان نظيف وهادئ، وفي درجة حرارة مناسبة، فهذا أدعى لحضور القلب.
وختامًا أخي الحبيب، لا تيأس واستمر في المجاهدة، فالمجاهدة في طلب الخشوع والتدبر هي في حد ذاتها عبادة يؤجر عليها العبد. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
أسأل الله أن يرزقنا وإياك تدبر كتابه والعمل به، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا.
روابط ذات صلة:
كثرة قراءة القرآن الكريم أم التدبر: أيهما أولى؟