الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : العلاقة بالقرآن
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 5284
10/07/2026
السلام عليكم.
أنا موظف ورب أسرة، وأعاني من تقصير كبير بخصوص علاقتي مع القرآن الكريم؛ تمر عليّ شهور كاملة ما أفتح فيها المصحف ولا أقرأ منه شي، وحتى في مواسم الخير والطاعات مثل شهر رمضان ما أقدر أختم.
والسبب الرئيسي ترى مو عشان انشغالي بالدوام أو البيت، الصدق إنه بسبب الوقت الطويل اللي يضيع مني وأنا ورا شاشة الجوال، أقلّب في برامج التواصل الاجتماعي من دون أي فايدة. صرت أحس بالذنب والتقصير، وخايف من عاقبة هجر كتاب الله، وإنه يحرمني بركة وقتي ويومي.
أبي منكم نصيحة وتوجيه بخطوات عملية تعينني أفك نفسي من أسر هالجوال وأقلل الساعات اللي تضيع عليه، وبنفس الوقت يساعدني التزم بورد يومي مستمر مع القرآن، ويكون مناسب لوقتي ومسؤولياتي اليومية.
الله يبارك فيكم، وينفع بعلمكم ويجزاكم خير.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك
معنا، وأسأل الله العلي القدير أن يبارك في عمرك ووقتك، وأن يشرح صدرك، وينير قلبك
بنور الإيمان، وأن يجعلك من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وأن يعينك على
حسن طاعته، ويصرف عنك شتات العقل والوقت، ويقر عينك بصلاح نفسك وأبنائك، وبعد...
فإن
شعورك بالذنب والألم والتقصير تجاه كتاب الله تعالى، وخوفك من عاقبة الهجران، هو
بشارة خير، وعلامة على صدق إيمانك، وبقي أن نحول هذا كله إلى طاقة عمل واستدراك.
إننا
يا أخي نعيش في زمن الفتن الرقمية التي اختطفت الأوقات والعقول، وأصبحت الشاشات
تلتهم أعمارنا دون أن نشعر. وكونك وضعت يدك على السبب الرئيسي بكل شجاعة وصدق (وهو
أسر الجوال ومواقع التواصل)، فهذا يعني أنك قطعت نصف الطريق نحو العلاج. فالاعتراف
بالمرض هو أول خطوة في سبيل الشفاء.
خطورة
هجر القرآن:
إن
القرآن الكريم ليس كتابًا عاديًّا نقرؤه وقت الفراغ؛ بل هو حياة القلوب، وغذاء
الأرواح، ومنبع البركة في البيوت والأعمار.
ولقد
حذرنا الله -تعالى- في كتابه الكريم من شكوى الرسول ﷺ من هجر قومه للقرآن، فقال
سبحانه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ
مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30].
وهجر
القرآن ثلاثة أنواع: هجر التلاوة، وهجر التدبر، وهجر العمل. والوقوع في هجر
التلاوة لشهور طويلة يُعرِّض الإنسان لموت القلب وتراكم الران عليه، كما أنه سبب
مباشر لضيق الصدر ومحق البركة، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ
رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ
آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: 124- 126].
قيمة
الوقت والمسؤولية عنه:
مع
الأسف، إن الهاتف الجوال في زمننا الحالي يستهلك للأعمار، والعمر هو رأس مال
المسلم. ويوم القيامة لن تُسأل عن عدد «البوستات» أو «الريلز» التي شاهدتها؛ بل
ستُسأل عن عمرك وشبابك، قال النبي ﷺ: «لن تزول قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى
يُسأَلَ عن أربعِ خِصالٍ: عن عُمرِه فيما أفناه، وعن شبابِه فيما أبلاه، وعن مالِه
من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن عِلمِه ماذا عمِل فيه» [رواه البزار والطبراني].
والوقت
نعمة يغفل عنها كثيرون، كما قال ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ
النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» [رواه البخاري].
القرآن
هو مصدر البركة:
لقد
وصف الله كتابه بالبركة في آيات عديدة، منها قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ
إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو
الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. وإذا دخل القرآن في يومك، بارك الله لك في ساعاته، وفي
رزقك، وفي تربية أبنائك، وفي علاقتك بزوجتك وأهلك. والوقت الذي تظن أنك توفره بترك
القرآن، يضيع أضعافه في توافه الأمور بسبب نزع البركة.
تذكر
أنك قدوة لزوجتك وأولادك:
إن
سلوكك داخل البيت محط أنظار أبنائك زوجتك وأولادك، فعندما يراك الأبناء طوال الوقت
ممسكًا بجوالك، فإنك تمنحهم رسالة صامتة بأن هذا الجهاز هو أهم ما في الحياة،
فينشأ أولادك مدمنين على الشاشات هاجرين للقرآن تقليدًا لك.
تخيل
الفارق التربوي في الأثر عندما يدخل ولدك عليك فيجدك تقرأ القرآن بوقار وهدوء! هذا
المشهد وحده يساوي آلاف المواعظ اللفظية. فإصلاح علاقتك مع القرآن، يصلح -من حيث
لا تحتسب- سلوك أبنائك.
وللتخلص
من أسر الجوال ووصل علاقتك مع القرآن، أقترح عليك الآتي:
1- إدراك حجم المشكلة:
انظر
كم ساعة تقضيها يوميًّا على الجوال في غير فائدة، وكم ضيعتَ من أوقات كنت فيها
بعيدًا عن القرآن، وانظر كم الحسنات التي فرطت فيها وضيعتها على نفسك، والمقامات
الرفيعة التي حُرمت من بلوغها. فإدراك هذا كله سيعطيك دافعًا للتغيير.
يقول
النبي ﷺ: «من قرأ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها؛ لا
أقولُ (الـم) حرفٌ، ولكنْ (ألفٌ) حرفٌ و(لامٌ) حرفٌ و(ميمٌ) حرفٌ» [رواه الترمذي].
وقال أيضًا ﷺ: «يقالُ لصاحِبِ القرآنِ: اقرَأ وارقَ ورتِّل كما كُنتَ ترتِّلُ في
الدُّنيا، فإنَّ منزلتَكَ عندَ آخرِ آيةٍ تقرؤُها» [رواه أحمد]. وغيرهما كثير من
الأحاديث التي تبين فضل تلاوة القرآن.
2- تقليص التطبيقات وتصفيتها:
احذف
التطبيقات التي لا تجر عليك نفعًا حقيقيًّا في دينك أو دنياك. والتطبيقات التي لا
تستطيع حذفها لضرورة التواصل، حدد لها وقتًا يوميًّا تلتزم به بمنهى الحزم
والصرامة، وأظن أن هناك برامج يمكنها تحديد وقت استخدام هذه التطبيقات، فاستعن
بها.
3- منع الجوال في غرف النوم:
اجعل
غرفة نومك خالية تمامًا من الشاشات. لا تدخل للنوم ومعك الجوال، وضعه في مكان بعيد
عن متناول يدك قبل النوم بساعة على الأقل. هذا سيمنحك وقتًا رائعًا للقراءة
والذِّكر، ويحسن جودة نومك.
4- إيقاف إشعارات مواقع التواصل:
قم
بإيقاف جميع إشعارات مواقع وبرامج التواصل، باستثناء الاتصالات الضرورية أو
تطبيقات العمل. فالإشعارات هي الحبال التي تجرك بها تلك المواقع إلى شاشاتها.
5- ربط الوِرد بالصلوات المفروضة:
أسهل
طريقة للالتزام بورد يومي من القرآن الكريم هي ربطه بعادة ثابتة لا تتغير، وأعظم
العادات هي الصلوات الخمس. على سبيل المثال: قراءة صفحتين أو أربع قبل كل صلاة
مفروضة وصفحتين أو أربع بعدها. وهذا إنجاز عظيم مقارنة بوضعك الحالي، ولا يستغرق
منك سوى 5 دقائق بعد كل صلاة.
6- القراءة من مصحف ورقي:
احرص
على القراءة من مصحف ورقي، واجعله قريبًا منك. فالقراءة من الجوال تفتح عليك باب
المشتتات (رسالة واتساب، إشعار إيميل...)، فتخرج من القرآن إلى الجوال مجددًا.
7- استثمار الأوقات البينية:
اجعل
وقت ذهابك للدوام وإيابك منه بالسيارة أو المواصلات، وقفًا للقرآن قراءة أو سماعًا
أو تدبرًا. استمع إلى القرآن بصوت قارئ تحبه وتأمل في الآيات.
8- التعاون مع الأسرة:
اجتمع
مع زوجتك وأبنائك ولو لمرة واحدة أو مرتين في الأسبوع (مثلًا عصر يوم لقراءة قدر
من القرآن، أو تدارس بعض الآيات. فهذا يهيئ بيئة محفزة داخل المنزل، ويعود بالنفع
والبركة على الجميع.
وختامًا
أخي الحبيب، إن التغيير يحتاج إلى جد ومجاهدة، ولكن أبشر بوعد الله سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ
لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. ابدأ من اليوم، ولا تؤجل إلى الغد. أمسك
جوالك الآن وقيِّد تطبيقاته، وضع مصحفك في مكان قريب، واستعن بالله ولا تعجز.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم حبب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا. اللهم بارك لأخي السائل في وقته وعمره وأهله وماله، واجعل بيته مأوى للسكينة والقرآن، وخُذ بيده إليك أخذ الكرام عليك، واصرف عنه شياطين الإنس والجن ومشتتات الأوقات. وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط ذات صلة:
كيف أحافظ على ورد القرآن في ظل جدول حياة مزدحم؟
مقصِّر تجاه القرآن والنوافل بسبب الإرهاق... فما الحل؟
مقصر في تلاوة القرآن.. 8 معينات على الالتزام