كيف أحافظ على ورد القرآن في ظل جدول حياة مزدحم؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : العلاقة بالقرآن
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 174
  • رقم الاستشارة : 3641
22/12/2025

السلام عليكم.

أنا رجل أعمل بوظيفة بدوام كامل، متزوج ولدي عدد من الأبناء، ومسؤولياتي اليومية كثيرة بين العمل والبيت ومتابعة شؤون الأسرة.

بفضل الله أحافظ على الصلوات في أوقاتها، ولا أفرِّط في أذكار الصباح والمساء، حيث أرددها أثناء الذهاب إلى العمل والعودة منه في المواصلات لأني أحفظها. ولكني أعاني من انقطاعي شبه التام عن ورد ثابت من القرآن الكريم.

أشعر بألم وحزن شديدين كلما مرَّ يوم دون أن أقرأ شيئًا من كتاب الله، وأعلم أني مقصر في حق القرآن، لكن الواقع أني لا أجد وقتًا مناسبًا للقراءة. يومي يبدأ مبكرًا وينتهي متأخرًا، وعندما أعود إلى المنزل أكون مرهقًا ذهنيًا وجسديًا، وتنشغل بقية الساعات بالأبناء ومتطلبات البيت.

صحيح أن هناك أوقاتًا تضيع مني أحيانًا على الهاتف أو في أمور غير ضرورية، لكني بصراحة لا أستطيع قراءة القرآن في أي وقت أو أي مكان؛ فأنا أحتاج إلى قدر من السكينة والتركيز والخشوع، ولا أجد ذلك متحققًا أثناء التصفح السريع أو في أوقات متقطعة. لذلك أشعر بالعجز والحيرة: أريد أن أداوم على قراءة جزء يوميًا، لكني لا أرى طريقًا عمليًا لذلك في ظل ظروفي الحالية.

ما الحل العملي والواقعي لمثل حالتي؟

كيف يمكن لموظف متزوج، مشغول بأعباء الحياة، أن يجعل للقرآن نصيبًا يوميًا ثابتًا دون أن يكون ذلك على حساب واجباته الأخرى؟

الإجابة 22/12/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا، وعلى صراحتك التي تنمُّ عن قلبٍ حيٍّ يقظ، يحب الله ورسوله، ويتحرَّق شوقًا ليكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته. أسأل الله أن يبارك لك في وقتك وجهدك، وأن يقر عينك بصلاح أبنائك، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلبك، ونور صدرك، وجلاء حزنك، وذهاب همك، وأن يفتح لك فيه فتحًا مبينًا ييسر لك به كل عسير، وبعد...

 

فيا أخي الحبيب، قبل أن نسرد حلولًا لهذه المشكلة، أود أن أطمئن قلبك بأن هذا الألم الذي يعتصرك كلما فاتك وردك من القرآن، وهذا الشعور بالتقصير رغم انشغالك بمسؤوليات عظيمة (وهي بالمناسبة عبادة تؤجَر عليها)، لهو أكبر دليل على أن الإيمان يسكن قلبك. إن الشقيَّ هو من يهجر القرآن ولا يشعر بفقده، أما أنت فمحبٌّ منعه العذر، والمحبُّ يُعذَر، ولكن عليه أن يبحث عن السبيل للوصول لمحبوبه رغم الانشغال والزحام.

 

وأقترح عليك الآتي:

 

1- لا تنتظر الظرف المثالي

 

أخي الفاضل، إن أكثر ما يقطعنا عن العمل الصالح هو اشتراط «الظروف المثالية». أنت تقول إنك تحتاج إلى سكينة وتركيز وخشوع كي تقرأ وردك، وهذا مطلب نبيل، لكنه في ظل حياة الموظف ورب الأسرة قد يصبح عائقًا مستمرًّا، ومطلبًا مستحيلاً وغير واقعي.

 

إن الشيطان يأتي للعبد الصالح فيقول له: «لا تقرأ وأنت مشتت الذهن، لا تقرأ وأنت في المواصلات، القرآن أعظم من أن تقرأه وأنت مجهَد... إلخ»، فيوهمه بالتعظيم ليقطعه عن العمل! والرد على ذلك أن القرآن نزل ليُصلح هذا التشتت، وليهدئ هذا التعب.

 

والحل العملي هو أن تقرأ كلما حانت الفرصة ولاح الوقت، على أي حال، وأي وضع، وفي أي مكان. لا تنتظر الفراغ التام الذي ربما لن يأتيك.

 

لا تنتظر السكينة لتقرأ القرآن، بل استجلبها بقراءته، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، فالطمأنينة «نتيجة» للقراءة وليست «شرطًا» لها. ابدأ بالقراءة حتى لو كنت مشتت الذهن، ومع الصفحة الثانية أو الثالثة، ستجد السكينة قد تنزلت على قلبك بفضل الله.

 

2- وزِّع القراءة على الصلوات

 

تريد قراءة جزء يوميًّا؟ الأمر أيسر مما تتخيل! فالجزء الواحد يتكون من 20 صفحة تقريبًا. فلو قسَّمت الصفحات العشرين على الخمس صلوات، بحيث تقرأ بعد كل صلاة، أو بين الأذان والإقامة، 4 صفحات فقط، فستجد أنك بنهاية اليوم قد أتممت الجزء بسهولة، مع العلم بأن قراءة الأربع صفحات لن تستغرق منك سوى 10 دقائق على الأكثر.

 

3- استثمر بركة البكور وقبل النوم

 

يقول الله عز وجل: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]. وبما أن يومك يبدأ مبكرًا، فحاول أن تستيقظ قبل موعدك المعتاد بـربع ساعة فقط. هذه الدقائق في وقت السحر هي أنقى أوقات الذهن، اقرأ فيها ما تيسر، واجعلها شحنة إيمانية ليومك.

 

أما في المساء، وأنت على فراشك قبل أن تغمض عينيك، بدلاً من تصفح الهاتف الذي ذكرتَ أنه يسرق وقتك، اجعل مصحفك (أو تطبيق المصحف على هاتفك) هو آخر ما تقع عليه عينك. حتى لو قرأت صفحة واحدة بتركيز، فهي خير من الحرمان.

 

4- التحول من التصفح الضار إلى النظر النافع

 

لقد كنت شجاعًا وصادقًا في اعترافك بأن الهاتف يسرق بعض وقتك. وهذه ثغرة قد تكون مدخلًا للحل. فكلما وجدت نفسك سحبت الهاتف لتتصفح تطبيقًا للتواصل الاجتماعي، اشرط على نفسك أنك ستفتح تطبيق المصحف وتقرأ صفحة واحدة أولاً. وستجد أنك في نهاية اليوم قد قرأت عدة صفحات من حيث لا تحتسب.

 

5- خصص جزءًا من وقت المواصلات للقرآن

 

بما أنك تحفظ أذكار الصباح والمساء وترددها في المواصلات -وهذا رائع- فلماذا لا تجعل جزءًا من وقت المواصلات لقراءة القرآن، أو حتى استماعه، فإذا كان الذهن مجهدًا لا يقبل على القراءة، فاستمع لقارئ تعجبك قراءته وأنت في طريقك. فالاستماع للقرآن له أجر عظيم أيضًا، وهو نوع من الارتباط بكتاب الله العزيز. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].

 

وختامًا أخي الكريم، إن القرآن له بركة ستلمسها وتشعر بها وتجدها في حياتك كلها، إن ارتبطت به، وبدأت به يومك، وجعلته في ثنايا حياتك. ستجد بركة عجيبة في الوقت؛ بحيث إن المهام التي كانت تستغرق منك أوقاتًا طويلة ستجد أنك تنجزها في أوقات أقل وبكفاءة أعلى، ببركة القرآن.

 

وإياك أن تجعل هدفك الكم؛ بل اجعل الهدف الصلة بالقرآن وتدبره. ابدأ بالقليل حتى يعتاد عقلك وجسدك على هذا الروتين الجديد، ثم ارفع السقف تدريجيًّا لتصل إلى قراءة جزء أو أكثر.

 

تذكر دائمًا قول النبي ﷺ: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» [رواه الترمذي]. فإذا كنت تعمل وتكدح من أجل أبنائك، وهذا ارتقاء في الدنيا، فاجعل القرآن وسيلتك للارتقاء في منازل الجنة أيضًا. ابدأ من اليوم، ولا تنتظر الغد، ولو بصفحة واحدة عقب الصلاة القادمة.

 

وفقك الله ورعاك، ويسر لك ولنا سبل الخير، وأعانك وإيانا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

 

روابط ذات صلة:

مقصِّر تجاه القرآن والنوافل بسبب الإرهاق... فما الحل؟

مقصر في تلاوة القرآن.. 8 معينات على الالتزام

إن كان هذا وقتي الوحيد للقرآن والذكر فهل يقبلني الله؟

الرابط المختصر :