الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : العلاقة بالقرآن
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
182 - رقم الاستشارة : 3378
26/11/2025
ما الفوائد والدروس الإيمانية والدعوية التي نتعلمها من سورة العصر؟
مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله العلي العظيم أن يشرح صدرك، وينير بصيرتك، ويجعلك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرزقنا وإياك فهم كتابه والعمل به، وبعد...
فإن سورة العصر معجزة في إيجازها، فهي –بهذا الإيجاز- تضع دستورًا للمسلم، ومنهجًا لحياته، وميزانًا دقيقًا له. وقد قال بعض العلماء: «لو لم ينزل من القرآن سوى سورة العصر لكفت». لماذا؟ لأنها شملت مراتب الكمال الإنساني كلها، ورسمت طريق النجاة من الخسارة المحققة.
أولًا- قَسَمُ الله بالزمن:
استفتح الله السورة بالقسم: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، والله –سبحانه- لا يقسم إلا بعظيم، والعصر هو الدهر أو الزمان، أو وقت صلاة العصر لفضله. ونستفيد من هذا أن الوقت هو رأس مالنا الحقيقي. فالإنسان ليس إلا «بضعة أيام»، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
رُوي أن عالمًا كان يسير في السوق فسمع بائع ثلج ينادي: «ارحموا من يذوب رأس ماله!». فتوقف العالم وبكى وقال: «هذا هو تفسير سورة العصر». فالإنسان مثل هذا الثلج، إن لم يستغله في شيء نافع قبل أن يذوب، خسر رأس ماله وانتهى بلا فائدة. فلندرك أن كل دقيقة نعيشها هي نعمة سنسأل عنها. قال النبي ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه» [رواه الترمذي].
ثانيًا- الأصل في الإنسان الخسارة:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، وقد جاءت الآية مؤكدة بـ«إن» و«اللام» لتفيد العموم؛ أي أن كل جنس البشر في حالة نقص وهلاك وخسارة وتضاؤل، مهما جمعوا من أموال أو حققوا من مناصب. وذلك لأن الدنيا دار ممر لا دار مقر، والانغماس فيها دون هدف أخروي هو «الخسارة المبينة». وهذا يكسر غرور النفس البشرية، ويعلمنا التواضع والافتقار إلى الله لطلب النجاة من تلك الخسارة.
ثالثًا- أضلاع النجاة الأربعة:
ثم يأتي الاستثناء الإلهي الرحيم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ليرسم لنا طوق النجاة المكون من أربعة أضلاع، لا يكتمل إيمان العبد ولا تنجو سفينته إلا بها مجتمعة:
1- الإيمان: فالإيمان العميق واليقيني بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، هو المحرك، وهو «البوصلة». بدون إيمان، كل الأعمال -مهما بدت خيِّرة في ظاهرها- هي هباء منثور يوم القيامة؛ لأنها فقدت شرط القبول وهو التوحيد.
2- العمل الصالح: وهو ثمرة الإيمان وقرينه. فلا يكفي الإنسان أن يكون مؤمنًا فقط دون التزام بالعمل الصالح. فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل. قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105].
3- التواصي بالحق: وهو المسؤولية الاجتماعية والدعوية، التي تنقلنا من «صلاح النفس» إلى «إصلاح الغير». فالمسلم لا يعيش لنفسه فقط. وكلمة «تواصوا» فيها تفاعل، أي أن النصح والتواصي متبادل بين المؤمنين. و«الحق» هنا يشمل كل صنوف الخير والطاعات التي تؤدي بنا للنجاة من الخسران.
4- التواصي بالصبر: لأن طريق الحق والعمل الصالح والدعوة مليء بالأشواك والعقبات. النفس تمل، والناس قد يؤذون الناصح، والشهوات تجذب. لذا كان «الصبر» هو الحصن الأخير: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، وصبر على أذى الناس.
رابعًا- منهجية التغيير المنطقية:
من أعظم الدروس في السورة هو الترتيب المنطقي:
1- العلم (الإيمان): البداية بمعرفة الحقيقة.
2- العمل (الصالحات): تحويل المعرفة إلى سلوك.
3- الدعوة (التواصي بالحق): نقل الخير للآخرين.
4- الصبر: (التواصي بالصبر) الثبات على هذا الطريق حتى الممات.
ولو تأملنا –أخي الكريم- لوجدنا أن الأمة اليوم تعاني؛ لأنها أخلت بهذا الترتيب أو ببعض أركانه. فالبعض يعمل بلا علم فيُضل، والبعض يعلم ولا يعمل فيكون كالحمار يحمل أسفارًا، والبعض يصلح نفسه ولا يهتم بأهله ومجتمعه، فتغرق السفينة بالجميع.
وختامًا أخي الكريم، سورة العصر هي منهاج حياة متكامل. تعلمنا أن الوقت هو الحياة، وأن النجاة تتطلب جهدًا مركبًا: بناء الذات (بالإيمان والعمل)، وبناء المجتمع (بالتواصي بالحق والصبر).
أسأل الله أن يجعلني وإياك ممن استثناهم في هذه السورة، وأن يبارك في أوقاتنا وأعمارنا، ويستعملنا في طاعته.
روابط ذات صلة: