مع القرآن في رمضان.. نكثر الختمات أم نتدبر الآيات؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : العلاقة بالقرآن
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 14
  • رقم الاستشارة : 4113
14/02/2026

السلام عليكم ورحمة الله،

ونحن على أعتاب شهر رمضان المبارك، لدي رغبة صادقة في أن أختم القرآن عدة مرات كما كان يفعل السلف وكما أرى من حولي، لكنني بسبب ضغوط الحياة وتعود عقلي على القراءة السريعة (تصفح الإنترنت ووسائل التواصل)، أجد صعوبة بالغة في التركيز عند الجلوس للمصحف لفترات طويلة. يمر بي الوقت وأنا أقلب الصفحات لكنني في الحقيقة أقرأ بلساني فقط، بينما عقلي شارد في أمور كثيرة.

فكيف يمكنني تحويل وردي القرآني في رمضان من مجرد كم مقروء إلى قوة تغييرية مؤثرة في حياتي؟

وكيف أوازن بين الرغبة في ختم القرآن في هذا الشهر الفضيل عدة مرات، وبين ضرورة تدبر آياته وربطها بواقعي اليومي كما كان يفعل الصحابة؟

أريد أن أخرج من هذا الشهر بقلب جديد، لا بمجرد كم من الختمات.

الإجابة 14/02/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، ونسعد جدًّا بتواصلك معنا، خصوصًا أن سؤالك هذا ينبع من قلب حي يحمل همَّ التقصير، ويرنو إلى معالي الأمور، وهذه علامة خير وبشارة توفيق؛ فمن تألم من غفلته فقد بدأ مسيرة اليقظة. أسأل الله العلي العظيم أن يبلغك شهر رمضان المبارك وأنت في أحسن حال، وأن يجعل لك فيه من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، وأن يرزقك قلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وعينًا تدمع من خشيته، وأن يجعلك من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وبعد...

 

القرآن «مائدة الله»

 

إن القرآن الكريم -يا أخي- ليس مادةً إعلامية نستهلكها كما نستهلك أخبار الإنترنت؛ بل هو «مأدبة الله» كما وصفه ابن مسعود رضي الله عنه. والمشكلة التي تعاني منها هي داء العصر؛ حيث تعودت عقولنا على القنص السريع للمعلومات، مما أفقدنا ملكة الغوص العميق فيها. لكن رمضان هو فرصة «إعادة ضبط المصنع» لهذا العقل المشتت.

 

كيف تحوِّل وردك إلى قوة تغييرية؟

 

لكي يتحول القرآن إلى قوة تغييرية، يجب أن نغير عقيدة القراءة لدينا. إن القرآن نزل ليعمل فينا، لا لمجرد تقليب صفحاته. وفي سبيل ذلك أنصحك بالآتي:

 

1- استحضار نية «التغيير» لا «الأداء»:

 

كثيرون يقرؤون لمجرد تأدية الواجب وإلقائه عن كاهلهم! فيشعرون بالراحة عند إغلاق المصحف لأنهم أنهوا الورد! فلا تكن من هؤلاء، واجعل نيتك يوميًّا هي البحث عن رسالة الله لك اليوم. اسأل نفسك قبل البدء: «يا رب، ماذا تريد مني في هذه الآيات؟». يقول الله عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. لاحظ أن البركة مرتبطة بالتدبر، لا بمجرد التلاوة السريعة.

 

2- تهيئة بيئة التلقي:

 

بما أن عقلك مبرمج على تصفح الإنترنت، فإن وجود الهاتف بجانبك أثناء الورد هو قتل للتركيز.

 

فاترك الهاتف في غرفة أخرى أثناء قراءة وردك، أو أغلقه تمامًا، أو اجعله على الوضع الصامت على الأقل. وفي حالتك استخدم مصحفًا ورقيًّا كبيرًا وواضحًا، فالورق له هيبة تعيد للعقل سكونه بعيدًا عن أضواء الشاشات وإشعاراتها المشتتة.

 

3- قاعدة الآية الواحدة:

 

لا بأس بقراءة جزء كامل أو أكثر، لكن قف عند آية واحدة تهز قلبك، كررها عشرات المرات، ابكِ معها، صَلِّ بها قيام الليل. وقد ورد أن النبي ﷺ قام الليل بآية واحدة، أخذ يرددها حتى أصبح: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾» [رواه النسائي وابن ماجة].

 

كيف توازن بين كثرة الختم وضرورة التدبر؟

 

الموازنة تكمن في أن تجعل لنفسك مسارين في التعامل مع القرآن في رمضان:

 

المسار الأول: ورد السرد (للحسنات والبركة):

 

وهو المسار الذي تهدف فيه لختم القرآن مرات عدة. اقرأ فيه بالحدر إن استطعت (قراءة سريعة مع مراعاة الأحكام)، واستحضر نية الثواب؛ فالحرف بعشر حسنات. هذا المسار يطهر لسانك ويغمر يومك بالبركة.

 

المسار الثاني: ورد التدبر (لتطهير القلب والتغيير):

 

خصص له وقتًا ثابتًا (ولو نصف ساعة بعد الفجر أو قبل السحور)، اقرأ فيه صفحة واحدة فقط أو بضع آيات، واستعن بتفسير ميسَّر تفهمه. والهدف هنا ليس إنهاء الصفحة؛ بل فهم لماذا قال الله كذا؟ وكيف أطبق هذا في حياتي؟

 

وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لأن أقرأ سورتَي الزلزلة والقارعة أتدبرهما، أحب إليَّ من أن أقرأ سورتَي البقرة وآل عمران تهذيرًا» والتهذير هو القراءة بسرعة دون تدبر.

 

خطوات عملية لربط القرآن بالواقع

 

لأجل أن تخرج من رمضان بقلب جديد، جرِّب هذه الطرق:

 

1- المساءلة المباشرة: عندما تمر بآية فيها أمر توقف وقل: «لبيك ربي. هل أنا أفعل ذلك؟». وعندما تمر بآية فيها وصف للمنافقين، لا تظن أنها في غيرك، بل خف على نفسك وقل: «اللهم طهِّر قلبي من النفاق»، وهكذا في كل آية فيها نهي أو وعيد، تعامل معها بما يناسبها من توقف وأسئلة.

 

2- دفتر التدبر: اجعل بجانبك دفترًا صغيرًا سجِّل فيه كل آية شعرت بأنها تلمس جرحًا في قلبك أو تعالج مشكلة في حياتك. هذا التدوين يحول القراءة العقلية إلى عمل مادي يرسخ في الذاكرة.

 

3- الاستجابة الفورية: كان الصحابة -رضي الله عنهم- لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيهن من العلم والعمل. فاجتهد في تطبيق ما تقرأ بشكل فوري، فإذا قرأت آية عن الصبر –مثلًا- فاجعل هدفك اليوم ألا تغضب مهما حدث، وإذا قرأت آية عن الصدقة فأخرج صدقة، وهكذا.

 

وختامًا أخي الكريم، إن العبرة ليست فيمن سبق بلسانه، بل فيمن وصل بقلبه. لا تجعل همَّك نهاية السورة، بل اجعل همك: «متى أتعظ وأعمل بما أقرأ؟». إن قليل القرآن مع حضور القلب، خير من ختمات كثيرة والقلب لاهٍ، والجمع بينهما في مسارين هو الأكمل والأفضل.

 

أسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلبك ونور صدرك وجلاء حزنك وذهاب همك، وأن يرزقك تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيه عنك. اللهم آمين، ولا تنسنا في دعائك.

 

روابط ذات صلة:

كثرة قراءة القرآن الكريم أم التدبر: أيهما أولى؟

كيف أقرأ القرآن وأتدبره بطريقة غير روتينية؟

كيف نقترب من القرآن؟

حال السلف مع القرآن في رمضان

التدبر.. حين ترى القرآن جديدًا في كل مرة تقرؤه

8 خطوات لتدبر القرآن

كيف تجعل ابنك يقرأ القرآن كأنه عليه أُنزِل؟!

 

الرابط المختصر :