حديث «الأنبياء إخوة لعَلَّات».. ما معناه؟ وكيف نعمل به؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 16
  • رقم الاستشارة : 4031
04/02/2026

سمعت من أحد العلماء في الراديو حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الأنبياءُ إخوةٌ لِعَلَّاتٍ»، ولم أفهم ما معنى «لعلَّات» لغويًّا وشرعيًّا؟

وما الذي ينبني على هذا الحديث من اعتقاد وعمل؟

الإجابة 04/02/2026

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وعلى حرصك على طلب العلم وفهم دقائق السنة النبوية المطهرة. أسأل الله أن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن يرزقك العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا وإياك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وبعد...

 

فهذا الحديث الذي سمعته هو قاعدة ذهبية في فهم وحدة مصدر الرسالات السماوية، وطبيعة العلاقة بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وهو حديث صحيح رواه الإمام البخاري في صحيحه بلفظ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ».

 

المعنى اللغوي للحديث:

 

ورد في المعاجم اللغوية أن الإخوة ينقسمون من حيث النسب إلى ثلاثة أنواع:

 

- الإخوة الأعيان: وهم الإخوة من أب واحد وأم واحدة.

 

- الإخوة الأخياف: وهم الإخوة من أم واحدة وآباء شتى.

 

- الإخوة لعلَّات: وهم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى.

 

والعلَّات جمع العلَّة، وهي الضُّرَّة، والعلل في اللغة هو الشرب بعد الشرب. فكأن الأب لما تزوج الثانية بعد الأولى قد شرب من المعين مرة أخرى.

 

المعنى الشرعي للحديث

 

عندما قال النبي: «والأنبياء إخوة لعلَّات»، أراد أن يضرب مثلًا بليغًا يوضح فيه جوهر النبوة. فالمعنى أن أصل دينهم واحد (وهو بمنزلة الأب الواحد)، وشرائعهم وفروع أحكامهم متعددة (وهي بمنزلة الأمهات الشتى).

 

فالأب الواحد هنا هو «التوحيد» وإفراد الله بالعبادة، والأمهات الشتى هي «الشرائع» (كشرعة موسى، وعيسى، ومحمد، عليهم الصلاة والسلام)، حيث تختلف في تفاصيل العبادات وبعض الحلال والحرام، حسب ما يقتضيه حال الأمم وزمانها.

 

ما ينبني على الحديث من اعتقاد:

 

هذا الحديث ركن أصيل في عقيدة المسلم تجاه الأنبياء، ونخرج منه بهذه القواعد:

 

1- وحدة المصدر والهدف: نعتقد يقينًا أن جميع الأنبياء جاؤوا من مشكاة واحدة، وهدفهم واحد، وهو صلة الخلق بالخالق. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13].

 

2- الإيمان بجميع الأنبياء دون تفريق: بما أنهم إخوة، فلا يجوز لنا شرعًا أن نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم الآخر؛ لأن من كفر بأحدهم فقد كفر بأصلهم الواحد. قال تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285].

 

3- تصديق الأنبياء بعضهم لبعض: كل نبي هو لبنة في جدار واحد، يصدق اللاحقُ السابقَ، ويبشِّر السابقُ باللاحق. وكأنهم يد واحدة ممتدة عبر التاريخ البشري لإنقاذ الإنسان وهدايته.

 

ما ينبني على الحديث من عمل:

 

فهمنا لهذا الحديث يُترجم إلى بعض السلوكيات، منها:

 

1- الاقتداء بهدي الأنبياء جميعًا: نحن مأمورون بأن نستفيد من قصصهم وسِيَرهم، فدينهم (أصلهم) واحد. وصفات الأنبياء وأخلاقهم -صلوات الله عليهم جميعًا- كلها موارد منهجية للمسلم في حياته. قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90].

 

2- احترام المقدسات والرسالات السابقة: المسلم أشد الناس احترامًا وتقديرًا لمقام الأنبياء كلهم، وقد أشار الحديث الشريف الذي بين أيدينا لهذا في أوله: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»، وكذلك سائر الأنبياء، وقد خص النبي سيدنا عيسى –عليه السلام- بالذِّكر كمثال، ولكونه النبي السابق له مباشرة.

 

3- فهم التدرج التشريعي: الحديث يعلمنا أن الله رحيم بعباده، فقد يغير «الأم» (الشريعة) بما يناسب حال البشر، لكن «الأب» (العقيدة) ثابت لا يتغير من لدن آدم إلى قيام الساعة.

 

فلو أن رجلًا لديه أبناء كثيرون من أمهات مختلفات، هؤلاء الأبناء رغم اختلاف ملامحهم (الشرائع) وتعدد بيوت أمهاتهم، فإنهم إذا اجتمعوا يلتفون حول أب واحد، يدافعون عنه ويحملون اسمه.

 

وقد أكد الله –عز وجل- هذا الحديث، وأثبته في رحلة الإسراء؛ حين جمع الأنبياء جميعهم لنبينا محمد في المسجد الأقصى فصلَّى بهم إمامًا.

 

وختامًا أخي الكريم، إن هذا الحديث يملأ قلب المؤمن طمأنينة بأن هذا الدين هو حلقة في سلسلة النور الإلهي التي لم تنقطع يومًا عن البشرية. فتمسك بهذا الأصل الأصيل، واعلم أنك باتباعك للنبي محمد قد واليت وأحببت واتبعت جميع الأنبياء من قبله.

 

أسأل الله أن يحشرنا في زمرة الأنبياء والمرسلين، وأن يرزقنا شفاعة نبينا الكريم، اللهم آمين.

 

روابط ذات صلة:

وحدة الأمة.. عمق وامتداد

الإسلام دين الأنبياء جميعاً

الرابط المختصر :