الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
614 - رقم الاستشارة : 4010
02/02/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وكل عام وأنتم بخير.
مع اقتراب ليلة النصف من شعبان، أشعر بشوق كبير لأن أخلو بنفسي مع الله، لكن واقعي يفرض عليّ جدولًا مزدحمًا من الأعمال.
فكيف يمكن لي إحياء هذه الليلة بشكل عملي وواقعي؟
هل هناك برنامج عبادي مرن يمكنني القيام به وأنا أمارس مهامي اليومية؟
وهل هناك صلوات معينة أو أذكار مخصوصة صحَّت عن النبي ﷺ في هذه الليلة؟
كما أني سمعت عن أهمية سلامة الصدر في هذه الليلة والتصالح مع الناس، فكيف أطبق ذلك وأنا أمر بخلافات عائلية ومهنية مع بعض الأشخاص؟
وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أيها السائل الكريم، وأسأل الله العلي العظيم أن يبارك لك في شعبان، وأن يبلغك رمضان وأنت في أحسن حال، وأن يعينك على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يفتح لك في هذه الليلة المباركة أبواب القبول والرضوان، ويصلح لك شأنك كله، وبعد...
فإن ليلة النصف من شعبان هي محطة إيمانية جليلة، تسبق شهر الصيام، وكأنها تصفية وتنقية للقلب قبل الدخول في الموسم الأكبر. وبما أنك تعاني من ضيق الوقت وازدحام الأعمال، فاعلم أن العبادة في الإسلام ليست محصورة في الانقطاع التام عن الدنيا، بل إن النية الصالحة تحول العادات إلى عبادات، والعمل المهني إلى جهاد، وخدمة الأهل إلى قربى.
فضل ليلة النصف من شعبان
من الناحية الشرعية، وردت أحاديث يحسِّنها كثير من أهل العلم في فضل هذه الليلة، ومن أشهرها قوله ﷺ: «يطَّلع الله إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن» [رواه ابن حبان وصححه الألباني].
أما بخصوص سؤالك عن صلوات معينة، فإنه لم يثبت عن النبي ﷺ صلاة مخصوصة في هذه الليلة. لذا، فإن الإحياء المسنون لهذه الليلة يكون بالعبادات العامة التي تفعلها في سائر الليالي، لكن باجتهاد أكبر، مثل:
- قيام الليل: بما تيسر لك، ولو ركعتين قبل الفجر.
- الدعاء: وسؤال الله من خيري الدنيا والآخرة.
- الذِّكر العام: الاستغفار، والتسبيح، والصلاة على النبي ﷺ.
برنامج عبادي مرن
بما أن واقعك يفرض عليك جدولًا مزدحمًا، فأقترح عليك هذا البرنامج «الواقعي» الذي لن يتعارض مع مهامك إن شاء الله تعالى:
1- عبادة النية: قبل أن تبدأ عملك في ذلك اليوم، انوِ أن كل خطوة تخطوها في شغلك أو بيتك هي لله، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].
2- دوام الذِّكر: استثمر أوقات التنقل، وأوقات الانتظار، وحتى أثناء ممارسة المهام اليدوية في الاستغفار والحوقلة والتسبيح والحمد، وشتى أنواع الذكر. اجعل لسانك رطبًا بذكر الله وأنت تمارس حياتك العادية.
3- خلوة ولو دقائق: إذا لم تستطع الخلوة لساعات، فلا تتركها بالكلية. خصص دقائق بعد صلاة العشاء أو قبل الفجر، أغلق فيها هاتفك، واستقبل القبلة، وبثَّ شكواك وحاجتك إلى الله بصدق.
4- تجنب المعصية: أهم عبادة في هذه الليلة هي ترك المعاصي، فإذا كنت مشغولًا عن الطاعة، فاحذر أن تنشغل بالمعصية (الغيبة، النميمة، النظر للمحرمات... إلخ)، فترك المعصية في ذاته عبادة عظمى.
كيف تطبق سلامة الصدر؟
أشرتَ في سؤالك إلى مشكلة المشاحنة، وأنها العائق الأكبر للمغفرة في هذه الليلة، كما ورد في الحديث المذكور. والمشاحن هو الذي بينه وبين أخيه خصومة من أجل الدنيا.
إن هناك فرقًا بين المصالحة والمسامحة، فقد لا تسمح الظروف أو طباع الطرف الآخر بمصالحة كاملة واجتماع بالأبدان، ولكن الله يريد منك «سلامة القلب». فقل في نفسك: «اللهم إني أشهدك أني قد عفوت عمن ظلمني لوجهك الكريم، فلا تجعل في قلبي غلًّا للذين آمنوا».
يُروى أن رجلًا من الأنصار قال عنه النبي ﷺ لثلاثة أيام متتالية: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة»، فتبعه عبد الله بن عمرو ليعرف سره، فلم يجده كثير صلاة ولا صيام، فسأله، فقال الرجل: «ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًّا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه» [رواه أحمد].
فبادر بإرسال رسالة عامة بتهنئة أو دعاء للأشخاص الذين بينك وبينهم خلاف مهني أو عائلي (إذا لم يكن في ذلك ضرر أكبر). هذه الرسالة تخرجك من دائرة الهجر المحرم، لقوله ﷺ: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» [رواه البخاري].
وختامًا أخي الكريم، إذا صدقت مع الله في نيتك، وأصلحت ما بينك وبين عباده قدر استطاعتك، فستنال الأجر والثواب بإذن الله.
اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، طهِّر قلوبنا من الغل والحسد والشحناء، واجعلنا ممن تشملهم بمغفرتك في هذه الليلة المباركة. اللهم بارك لنا في أوقاتنا، وأعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك رغم انشغالنا، واجعل عملنا كله صالحًا ولوجهك خالصًا. اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واصرف عنا كيد الشيطان ونزغاته، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
روابط ذات صلة: