الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
295 - رقم الاستشارة : 2319
09/08/2025
مع الأسف، في صلاتي، أُفكر في العمل، المواعيد، الديون، المشكلات، وأحيانًا رغباتي الجسدية، وكل شيء إلا الصلاة التي أصليها، ولا أعي غالبًا ما أقوله فيها.
وأسمع الخطباء يقولون إنه ليس للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها.
فهل صلاتي بهذه الصورة مردودة وغير مقبولة ولا فائدة منها؟
وإن كانت كذلك، فكيف أصلي صلاة صحيحة بخشوع وحضور ذهن وتركيز وخشوع كما يقولون؟
مرحبًا بك أيها السائل الكريم، وشكرًا جزيلاً لك على ثقتك في موقعنا ومراسلتنا، وأسأل الله أن يتقبل منا ومنك صالح الأعمال، وأن يجعلنا من عباده الذين يخشونه حق الخشية، ويتقونه حق التقوى، ويخشعون له حق الخشوع، وبعد..
فإن الناموس الإلهي اقتضى أن يداخل الشيطان النفس البشرية ليصرفها عن ذكر الله، خصوصًا في مواطن العبادة العظيمة كالصلاة. والصلاة هي ركن الدين المتين، وهي الصلة المباشرة بين العبد وربه، وقد وصفها النبي ﷺ بأنها «قُرَّة العين»، فقال: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة» [رواه النسائي].
هل صلاتك مردودة؟
دعني أطمئنك أيها الحبيب بأن صلاتك –بإذن الله- صحيحة ومقبولة، ما دمت تؤديها بشروطها وأركانها وواجباتها. وما تفكر فيه من أمور الدنيا خلال الصلاة لا يبطلها ولا يوجب إعادتها؛ لأن مجرد الخواطر والهواجس لا يفسد العبادات.
ولكن ينبغي أن تعلم أن كمال الأجر وثماره العظمى مرتبطة بحضور القلب وخشوعه، وهو ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «إنَّ العبد ليصلِّي الصلاة ما يكتب له منها إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها» [رواه أحمد]. هذا الحديث لا يعني أن صلاتك مردودة؛ بل يعني أن الأجر الذي تحصل عليه من صلاتك يتفاوت بحسب درجة خشوعك وحضور قلبك فيها.
إن الله -سبحانه وتعالى- يعلم ما في قلوب عباده، ويعلم أن الشيطان يوسوس لهم، وهو –سبحانه- غفور رحيم. وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. فالصلاة هي تذكير مستمر بالله تعالى، حتى وإن لم يحضر قلبك فيها بشكل كامل، فإن مجرد قيامك بها هو ذِكر عظيم لله.
كيف أحقق الخشوع في صلاتي؟
الخشوع ليس أمرًا عسيرًا ولا مستحيلًا؛ بل هو هدف يمكن الوصول إليه بالتدريب والمجاهدة. وإليك بعض الخطوات العملية التي تساعدك على ذلك:
1- التحضير للصلاة قبل دخول وقتها:
إن الصلاة لا تبدأ بتكبيرة الإحرام، بل تبدأ قبلها، ومن ذلك:
- الوضوء بخشوع: الوضوء ليس مجرد غسل للأعضاء؛ بل تذكر أن كل قطرة ماء تنزل من وجهك أو يديك أو قدميك، تمحو خطيئة. فقد قال النبي ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره» [رواه مسلم].
- استحضار عظمة الله: قبل أن تبدأ الصلاة، خذ لحظات لتتذكر من أنت، ومن الذي ستقف بين يديه. أنت عبد فقير ضعيف، تقف أمام ملك الملوك، ومالك السماوات والأرض. هذا الاستحضار يملأ القلب هيبة ووقارًا.
2- في أثناء الصلاة:
- تدبر ما تقول: وأنت تتلو القرآن الكريم في صلاتك، فكِّر في معانيه، وتدبر ما تقوله من أذكار الصلاة وتسبيحاتها. حاول أن تشعر بأن الله يستمع لما تقول بل ويرد عليه، ويقاسمك صلاتك كما ورد في الحديث القدسي عن النبي ﷺ: « قالَ اللَّهُ تَعالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ العَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ}، قالَ اللَّهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قالَ اللَّهُ تَعالَى: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: {مالِكِ يَومِ الدِّينِ}، قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وقالَ مَرَّةً فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي، فإذا قالَ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قالَ: هذا بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَأَلَ، فإذا قالَ: {اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذينَ أنْعَمْتَ عليهم غيرِ المَغْضُوبِ عليهم ولا الضَّالِّينَ} قالَ: هذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَأَلَ» [رواه مسلم].
- تجنب النظر إلى ما يلهيك: اجعل نظرك إلى موضع سجودك، وتجنب النظر إلى أي شيء قد يصرف انتباهك عن الصلاة.
- لا تستعجل: إن الصلاة ليست سباقًا، وليست مهمة ثقيلة تريد إنجازها بسرعة والتخلص منها؛ بل هي رحلة روحانية. خذ وقتك في كل ركن منها، وأعطِ كل ركعة وسجدة ووقفة وجلسة حقها من الطمأنينة.
3- التغلب على وساوس الشيطان:
إذا جاءتك خواطر الدنيا ومشاغلها، فلا تجعلها تهزمك، وذلك من طريق:
- مجاهدة النفس: بمجرد أن تشعر بذهاب عقلك إلى أمر دنيوي، اسعَ فورًا لقطع هذا التفكير، وركِّز على ما تقوله وتفعله.
- التعوذ من الشيطان: فقد أتى عثمان بن أبي العاص إلى النَّبيِّ ﷺ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ الشَّيْطَانَ قدْ حَالَ بَيْنِي وبيْنَ صَلَاتي وَقِرَاءَتي؛ يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «ذَاكَ شيطَانٌ يُقَالُ له: خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ باللَّهِ منه، وَاتْفِلْ علَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا». قالَ: فَفَعَلْتُ ذلكَ، فأذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي. [رواه مسلم].
وختامًا –أخي العزيز- لا تيأس أبدًا؛ بل واصل جهادك للوصول إلى الخشوع في صلاتك قدر ما تستطيع؛ فإنه نعم الجهاد. وقد قال الله عز وجل: ﴿والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، وقال ﷺ: «والمجاهدُ من جاهدَ نفسَهُ في طاعةِ اللَّهِ» [رواه أحمد].
أسأل الله أن يثبِّت قلبك، وأن يرزقك الخشوع في صلاتك، وأن يتقبلها منك، ويرفع بها درجاتك. ولا تنسنا في دعائك.