عند الضجر من التوافه.. كيف نُميز بين مقامَي الشكر والصبر؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 148
  • رقم الاستشارة : 3779
07/01/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

قرأت عبارة لأحد الصالحين يقول فيها: «يا مسكين، أنت في مقام الشكر وتظن أنك في مقام الصبر»، وبدأت أتأمل في واقعي وفيما يحيط بي من نعم.

فوجدت نفسي أحيانًا أغرق في تفاصيل صغيرة ومزعجات يومية تافهة، وأشعر بضيق شديد تجاهها، وكأنني في بلاء عظيم، بينما الحقيقة هي أنني أعيش في عافية والحمد لله. وقرأت أن دوام العافية قد يكون سببًا في تضخيم المشكلات اليسيرة، حتى نراها جبالًا، ولا نستيقظ من هذا الوهم إلا بوقوع ابتلاء حقيقي يهز الأركان، فيجعلنا نحتقر كل ما سواه من الهموم.

لذا، أرجو من فضيلتكم التفضل بشرح هذا المعنى وتفصيله من الجوانب التالية:

1.  لماذا يميل الإنسان لنسيان شكر العافية المستمرة (كالصحة، والأمن، والستر) حتى يفقدها أو يرى غيره قد فقدها؟

2.  كيف يقع المرء في فخ ادعاء الصبر على توافه الأمور، بينما هو في الحقيقة مُطالب بالشكر على عظيم النعم التي تحيط بتلك التوافه؟

3.  كيف نربي أنفسنا على إدراك أن ما نحن فيه هو مِنحة وليس محنة دون أن ننتظر وقوع البلاء ليفهمنا ذلك؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة 07/01/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك ابتداءً على طرحك هذا التساؤل العميق، وأسأل الله أن يبارك في وعيك، وأن يجعلنا وإياك من عباده الشاكرين الذاكرين، وأن يرزقك السكينة والبصيرة التي ترى بها نور النعم وسط ظلمات المنغصات، وبعد...

 

فتلك العبارة التي قرأتَها: «يا مسكين، أنت في مقام الشكر وتظن أنك في مقام الصبر»، هي صرخة تنبيه للقلب الغافل، وهي مفتاح لإعادة ضبط بوصلة المشاعر الإنسانية تجاه أقدار الله.

 

لماذا ننسى شكر العافية المستمرة؟

 

إن النفس البشرية جُبلت على التعود، وهذا التعود يخدِّر الحواس عن استشعار النعم. وإليك الأسباب الرئيسة لهذا النسيان:

 

1- إلف النعمة: عندما تستمر النعمة (كالأمن أو الصحة) تصبح في نظر الإنسان «حقًّا مكتسبًا» وليست «عطاءً متجددًا». يقول الله تعالى: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34]. فالظلم هنا هو وضع الشعور في غير موضعه (الضجر بدلًا من الشكر).

 

2- الغفلة عن «النعم الوقائية»: نحن عادة نشكر الله على «النعم الإيجابية» (مال، ذرية، نجاح)؛ لكننا ننسى شكر «النعم الوقائية»، وهي صرف السوء؛ فأن تمضي يومك دون ألم في جسد، أو فزع من هدم، أو حاجة لغيرك، هي نعم كبرى لا يشعر بها إلا من فَقَدها.

 

3- الطبيعة البشرية: يميل العقل للتركيز على «النقطة السوداء» في الثوب الأبيض. فلو أن رجلًا يملك بيتًا واسعًا وأبناءً بررة؛ لكنه يعاني من تعنت مديره في العمل، فإنه قد يقضي ليله مهمومًا بالمدير، ناسيًا كل ما سواه!

 

يُروى أن رجلًا دخل على أحد الصالحين يشتكي فقره وضيق حاله، فقال له الصالح: «أيسرك أنك أعمى ولك مائة ألف درهم؟» قال: لا. قال: «أيسرك أنك أخرس ولك مائة ألف؟» قال: لا. فظل يعدد له أعضاءه والحال نفسه، ثم قال الصالح: «أرى عندك مئات الألوف وأنت تشكو الفقر!».

 

فخ «ادعاء الصبر» على توافه الأمور

 

يقع المرء في هذا الفخ عندما يسكن «دور الضحية». إن الشعور بأنني «أصبر» يعطي للنفس نوعًا من الرضا الوهمي والبطولة الزائفة؛ لكنه في الحقيقة هروب من واجب الشكر.

 

إن الصبر مقامه عند الصدمة الأولى في البلاء العظيم الذي لا حيلة فيه، أما الضجر من زحام الطريق، أو تأخر وصول طعام، أو كلمة نابية من عابر، فليس هذا مقام صبر؛ بل هو مقام هوان النفس وانشغالها بالترهات.

 

تأمل قول النبي ﷺ: «مَنْ أصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا في سِرْبِهِ، مُعَافىً في جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» [رواه الترمذي].

 

فإذا كان الإنسان حيزت له الدنيا، فكيف يسمح لـ«أمور تافهة» أن تسرق منه شعور حيازة كل هذه النعم؟! إننا نتوهم البلاء لأننا فقدنا الرؤية الكلية لحياتنا، وركزنا بعدسة الميكروسكوب على المنغصات الصغرى.

 

كيف نربي أنفسنا على إدراك المنحة؟

 

هذه هي التربية الإيمانية التي تقي الإنسان من هزة الأركان التي ذكرتها، وتتم عبر خطوات عملية:

 

1- انظر إلى مَن هم دونك: قال رسول الله ﷺ: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدَروا نعمة الله عليكم» [رواه ابن ماجة]. زر المستشفى لترى نعمة الصحة، وزر المقابر لترى نعمة الحياة، واقرأ في أخبار المنكوبين لتعرف معنى السكن.

 

2- تمرين «تعداد النعم»: لا تجعل شكرك عامًّا؛ بل خصص. بدلًا من قول: «الحمد لله» بشكل عابر، قل: «الحمد لله الذي حفظني من حادث الأمس، الحمد لله الذي جعل طعامي سائغًا، الحمد لله الذي أعانني على الصلاة، الحمد لله الذي حفظ سمعي وبصري، الحمد لله على الذرية الصالحة... إلخ».

 

3- استشعار الستر: تذكر أن كثيرًا من إجلال الناس لك ليس لفضلك؛ بل لستر الله لعيوبك، وهذا وحده يستوجب الغرق في الشكر؛ لا مجرد التلفظ به.

 

4- تحويل المنغِّص إلى مُذكِّر: إذا تعطلت سيارتك، فلا تظن أنك في بلاء يتطلب الصبر العظيم، بل قل: «الحمد لله أن لي سيارة تتعطل، والحمد لله أن الله لم يجعل العطل في جسدي»، وهكذا في كل منغص، تذكر النِّعَم فيه.

 

وختامًا أيها السائل المبارك، إن الفرق بين السعادة والشقاء أحيانًا يكون في «زاوية الرؤية». إن الذي يعيش مقام الشكر وهو في عافية، يرزقه الله زيادة في النعمة وسكينة في القلب، لقوله سبحانه: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. أما الذي يتسخط على التوافه، فإنه يعيش في فقر نفسي دائم، مهما بلغت ثروته وصحته.

 

أسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يفتح بصيرة قلبك، وأن يجعلك ممن يستعملون نعم الله في طاعته، وأن يعيذنا وإياك من زوال نعمته، وتحول عافيته، وفجاءة نقمته، وجميع سخطه. اللهم اجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين بها عليك، قابلين لها، وأتمها علينا بفضلك وكرمك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

روابط ذات صلة:

هل تغير مفهوم الشكر مع المادية؟

الصبر.. يضاعف القدرات لتخطي الأزمات

الرابط المختصر :