الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
15 - رقم الاستشارة : 4040
06/02/2026
أرى كثيرًا من الناس وخصوصًا بعض المنتسبين للطرق الصوفية يؤلفون صيغًا للصلاة على النبي ﷺ وينسبونها لأنفسهم أو يأخذونها عن مشايخهم، يصفون فيها النبي ﷺ بكثير من الصفات ويطيلون فيها، وكل منهم يحرص على أن يقول صيغًا وصفات متفردة عن غيره مما يوقعهم في الإغراب أحيانا في الألفاظ والكلمات، وهم يعللون هذا بحبهم للنبي ﷺ ورغبتهم في زيادة مدحه وإكرامه.
فهل ما يفعله هؤلاء جائز ويثابون عليه؟
وإن لم يكن كذلك فما المانع منه؟
وما هي أفضل الصيغ الشرعية للصلاة على النبي ﷺ؟
مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وعلى حرصك على تحري الصواب في عباداتك. أسأل الله أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن يشرح صدرك، وينير بصيرتك، ويجعلنا وإياك من المتبعين لسنة النبي المصطفى ﷺ قولًا وعملًا، وأن يجمعنا به في الفردوس الأعلى من الجنة، اللهم آمين، وبعد...
محبة النبي ﷺ بين العاطفة والاتباع
لا شك أن الصلاة على النبي ﷺ من أعظم القربات وأجل الطاعات، فهي امتثال لأمر الله -سبحانه وتعالى- حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 65]. ومحبة النبي ﷺ هي أصل من أصول الإيمان، ولكن هذه المحبة الصادقة لها ميزان دقيق، وهو الاتباع؛ فالمُحب الحقيقي هو من يسلك مسلك حبيبه ويقتفي أثره.
حكم ابتكار صيغ جديدة للصلاة على النبي ﷺ
إن الأصل في الذِّكر والدعاء السعة، فإذا أنشأ المسلم صيغة للصلاة على النبي ﷺ من عند نفسه، وكانت معانيها صحيحة، ولا تشتمل على محظور شرعي (مثل الغلو الذي يرفعه ﷺ إلى مقام الألوهية، أو التوسل المبتدع)، فهي جائزة في أصلها، ويُثاب الشخص حسب نيته.
لكن المشكلة تكمن فيما أشرت إليه من الإغراب وتكلُّف الألفاظ؛ لأن الشريعة الإسلامية تمتاز بالبيان والوضوح، والنبي ﷺ أوتي جوامع الكلم. فعندما يخرج الناس إلى ألفاظ غامضة أو أوصاف لم ترد في الكتاب والسنة، قد يقعون في محاذير منها:
- سوء الفهم: قد تحمل بعض الكلمات معاني تخالف عقيدة التوحيد.
- الاشتغال بالمفضول عن الفاضل: الانشغال بصيغ بشرية وترك الصيغ النبوية هو تفريط في أجر عظيم، هذا غير أنه سوء أدب مع النبي ﷺ ينافي وجوب اتباعه.
- الإحداث في الدين: إذا اعتقد الشخص أن هذه الصيغة التي ألّفها هي أفضل من الصيغ التي أرشدنا إليها النبي ﷺ، أو أن لها «سرًّا خاصًّا» لا يوجد في غيرها، فهنا يدخل في باب البدعة والضلال.
لماذا نفضِّل الصيغ المأثورة؟
قد يتساءل البعض: «أليس التفنن في المدح دليلًا على الحب؟». والجواب: بلى، ولكن الله لا يُعبَد إلا بما شرع، والنبي ﷺ هو أعلم الخلق بما يليق بجنابه وبما يُرضي ربه. وإليك الموانع أو الأسباب التي تجعلنا نحذر من التوسع في هذه الصيغ المبتدعة:
1- خشية الغلو: حذَّرنا النبي ﷺ بقوله: «لا تُطْرُوني كما أَطْرَتِ النصارى ابنَ مريمَ، إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه» [رواه البخاري]. وبعض الصيغ المبتدعة قد تصف النبي ﷺ بصفات هي من خصائص الربوبية (كعلم الغيب المطلق، أو تصريف الكون).
2- ضياع بركة جوامع الكلم: الصيغ النبوية قصيرة، جامعة، وعميقة المعنى، بينما الصيغ المؤلفة غالبًا ما تتسم بالطول والحشو والتكلُّف اللغوي الذي قد يذهب بالخشوع.
3- فتح باب التحريف: حين يُترك لكل شيخ أو مريد تأليف صيغة، تصبح الصلاة على النبي ﷺ مجالًا للمفاخرة الأدبية بدلًا من أن تكون عبادة توقيفية.
أفضل الصيغ الشرعية للصلاة على النبي ﷺ
إن أسمى وأكمل وأفضل صيغة للصلاة على النبي ﷺ هي التي علّمها هو لأصحابه حين سألوه مباشرة.
ويقول كثير من العلماء والفقهاء إن أفضل الصلاة على النبي ﷺ هي الصلاة الإبراهيمية، وما ورد عنه ﷺ من الصيغ، أما ما أحدثه الناس من الألفاظ، فمنها ما هو حسن، ومنها ما فيه غلو ومخالفة.
فعن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- قال: قِيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ فقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكيفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما صَلَّيْتَ علَى إبْرَاهِيمَ وعلَى آلِ إبْرَاهِيمَ؛ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ علَى مُحَمَّدٍ وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما بَارَكْتَ علَى إبْرَاهِيمَ وعلَى آلِ إبْرَاهِيمَ؛ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» [رواه البخاري].
فتأمل يا أخي: الصحابة وهم أشد الناس حبًّا للنبي ﷺ، لم يذهبوا لتأليف قصائد وصيغ معقدة، بل ذهبوا إلى المصدر الصافي يسألونه: «كيف نصلي عليك؟»، فجاءهم الرد بالصلاة الإبراهيمية التي نرددها في تشهدنا.
ووردت صيغ أخرى لهذه الصلاة في الصحيحين، منها:
- «اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ، وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما صَلَّيْتَ علَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ علَى مُحَمَّدٍ، وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما بَارَكْتَ علَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
- «اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ وأَزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما صَلَّيْتَ علَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وبَارِكْ علَى مُحَمَّدٍ وأَزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما بَارَكْتَ علَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
- اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ ورَسولِكَ، كما صَلَّيْتَ علَى إبْرَاهِيمَ، وبَارِكْ علَى مُحَمَّدٍ، وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما بَارَكْتَ علَى إبْرَاهِيمَ وآلِ إبْرَاهِيمَ».
وختامًا أخي الكريم، عطِس رجلٌ إلى جنبِ ابنِ عمرَ فقال: الحمدُ للهِ وسلام على رسوله. فقال ابنُ عمرَ: «ليسَ هَكذَا علَّمَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ، علَّمَنا أن نقولَ: الحمدُ للَّهِ على كلِّ حالٍ» [رواه البيهقي في الشعب].
هذا الأثر يعلمنا أن العبادة -حتى لو كان ظاهرها ذكرًا طيبًا- إذا أُضيفت إلى موضع أو صيغة لم ترد، فإنها تفتقد لروح الاتباع. فما بالك بالصلاة على النبي ﷺ التي قرر بعض العلماء أنها ركن في الصلاة، وهي من عماد الذكر؟!
إن المحبة الحقيقية للنبي ﷺ ليست في البحث عن أعقد الكلمات وأغرب الصفات؛ بل في لزوم غرزه، وإحياء سنته، وكثرة الصلاة عليه بالصيغ التي رضيها لنفسه وعلَّمها لأمته. فمن صلَّى عليه بالصيغة الإبراهيمية التي أرشدنا إليها، بيقين وحب، نال شفاعته ﷺ والقرب منه يوم القيامة.
نصيحتي لك ولجميع المسلمين: الزموا المأثور، ففيه الكفاية والبركة والسلامة من الخطأ.
أسأل الله العظيم أن يجعلنا من أحباب نبيه، وأن يسقينا من حوضه شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط ذات صلة:
نظر جديد قديم في الصلاة على النبي ﷺ
فضل الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة.. 5 فضائل