الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الأطفال
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
311 - رقم الاستشارة : 3183
03/11/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
رزقني الله قبل أسابيع بمولودة جميلة بعد ابني ذي الست سنوات وابنتي ذات السبع، وكنت أظن أن قدوم الصغيرة سيملأ البيت سعادة وبهجة، لكن ما حدث مع ابني فاجأني تمامًا.
فمنذ أن علم أنها بنت، أبدى رفضًا واضحًا، وقال لي بصدق طفولي مؤلم: "كنت أريدها ولدًا مثلي! البنات لا يلعبن مثلنا!"، ثم صار يعامل المولودة بلا مبالاة، بل أحيانًا يعبس إذا رآني أحملها أو أرضعها.
بدأت ألاحظ تغيّرًا في سلوكه بشكل عام؛ أصبح سريع الغضب، قليل التركيز، يرفض أداء واجباته، وانخفض مستواه في الحفظ والمدرسة. حتى طباعه اللطيفة التي كنت أفتخر بها تراجعت، وكأن في داخله حزنًا أو رفضًا لا يعرف كيف يعبّر عنه.
حاولت كثيرًا أن أقرّبه من أخته الصغيرة، أشركه في مساعدتي، أمدحه أمامها، وأتحدث عن مكانته في قلبي، لكنه يظلّ متجهّمًا ويقول: "أنتم تحبونها أكثر مني!"
أنا الآن في حيرة وقلق، لا أعرف إن كانت هذه مجرد غيرة عابرة، أم بداية مشكلة نفسية تحتاج إلى تدخل تربوي واعٍ.
كيف أتعامل معه بطريقة صحيحة؟ وكيف أعلّمه معنى الرضا بما قسمه الله، وتقبّل المولودة بمحبة ودفء بدلاً من الشعور بالغيرة أو الإقصاء؟
أولًا –غاليتي- أهنئكِ بقدوم مولودتك الجديدة، وأسأل الله أن يجعلها قُرّةَ عينٍ لكم، وأن يُنشئها في طاعته ومحبته. وما تمرّين به الآن أمر طبيعي جدًّا في الحياة الأسرية، فليس كل اضطراب سلوكي بعد ولادة جديدة نذير خطر، بل هو غالبًا استجابة انفعالية مؤقتة ناتجة عن الغيرة الأخوية، وهي مرحلة شائعة في حياة الأطفال عند ظهور فرد جديد في الأسرة.
تحويل الانفعال
ابنكِ -حفظه الله- لا يرفض أخته الصغيرة بقدر ما يرفض المشاعر الجديدة التي لم يعرف كيف يتعامل معها. لقد شعر أن مكانه في قلبكِ قد اهتزّ، وأن الاهتمام الذي كان حكرًا عليه قد تقاسمه الآن شخصٌ آخر لا يدرك سبب قدومه ولا من اختاره.
هذه المشاعر تُسمّى في علم النفس Emotional Displacement، أي "تحويل الانفعال" من مصدره الحقيقي (الغيرة والخوف من فقد المكانة) إلى سلوك ظاهري (الغضب، الرفض، التراجع الدراسي...).
ولكي نعلّمه الرضا والتقبّل، لا بد أن نبدأ بالفهم قبل التصحيح. فالأم الواعية لا تعالج السلوك من ظاهره فقط، بل تبحث عن جذره العاطفي.
خطوات عملية تربوية
وفيما يلي بعض الخطوات العملية التربوية التي أُوصيك بها:
1- اعملي على احتواء الشعور قبل توجيه السلوك:
كأن تقولي له بهدوء وصدق: "أعلم أنك كنت تتمنى أن يكون المولود ولدًا، وهذا طبيعي، أحيانًا نشعر بالحزن حين لا يحدث ما نتمنى، لكنها إرادة الله".
هذا يُسمّى في التربية Validation of Feelings، أي "الاعتراف بالمشاعر"، وهي خطوة أساسية قبل أي تغيير سلوكي.
2- عززي مكانة ابنك الخاصة:
أشعريه أن قدوم المولودة لا يُنقص من مكانته، بل يزيدها؛ لأنه أصبح "الأخ الكبير الذي يُعلّم ويحمي". خصّصي له وقتًا يوميًّا ولو قصيرًا لا تشاركه فيه المولودة، ليرى أنه ما زال محور اهتمامك.
3- استخدمي معه سياسة الإشراك لا الإلزام:
لا تُجبريه على حملها أو اللعب معها، بل اجعلي المشاركة اختيارًا مشجعًا. قولي له مثلًا: "هل تحب أن تختار لها الملابس اليوم؟"، هذه الطريقة تُثير فيه حس المسؤولية لا الغيرة.
4- لا تغفلي أهمية القدوة والحديث الإيماني:
اربطي ما يحدث بالإيمان بالقدر، وقولي له بلغة قريبة من وجدانه: "الله هو الذي اختار لنا هذه الهدية، وهو لا يختار إلا الخير، أليس الله حكيمًا يحبنا؟"، فهنا يتعلّمCognitive Reframing أي "إعادة بناء الفكرة في ذهنه بصورة إيجابية".
5- علميه الرضا تدريجيًّا:
الرضا لا يُلقَّن، بل يُمارس. حين يرى حبك وعدلك، يتعلّم بالقدوة معنى القبول والاطمئنان. أكّدي له أن الرضا لا يعني الكبت، بل هو طمأنينة القلب لحكمة الله.
6- ضرورة إشراك الأب:
لا بد من احتواء والده له والخروج به لأماكن يحبها.. ويفضل إلحاق الطفل بلعبة رياضية ويفرغ فيها طاقته.
7- لا بد من المتابعة المدرسية والنفسية قدر المستطاع:
راقبي استمرارية التراجع الدراسي؛ فإن طال أكثر من شهرين بعد الولادة، فربما يحتاج إلى دعم نفسي بسيط من مختص أطفال (Child Counselor) لتفريغ الغضب وتدريب مهارات التعبير عن المشاعر.
ثم تذكّري دائمًا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ...﴾ [النساء: 32]. فالرضا والتسليم يزرعان في قلب الطفل الإيمان بالعدل الإلهي وحكمة التقدير.
وهمسة أخيرة:
كوني له الحضن الآمن والصدر الذي يفهم قبل أن يحكم، فالغصن الغض إذا نال دفء الحنان استقام دون كسر.
روابط ذات صلة: