الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : تاريخ وحضارة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
25 - رقم الاستشارة : 5128
21/06/2026
هل هناك علاقة بين التحضر وارتقاء الذوق أو انحداره وهل الذوق تعبير عن الانسانية ام نوعية الاستهلاك؟
أخي الكريم، التحضر الحقيقي يشمل الجوانب المادية والمعنوية والأخلاق والإحساس بالجمال،
فمن النادر أن ترى حضارة ولم يكن للجمال والفن والذوق حضور فيها، والذوق هو خليط
من المشاعر والسلوكيات تجمع بين الحس المرهف، ومراعاة الآداب، مما يساهم في جودة
الحياة والتواصل الإنساني.
أخي الكريم، جوهر الذوق هو مراعاة الآخرين في الكلمة والفعل، لذا كانت له دور في
تنمية التعاطف والتراحم والاحترام بين البشر، يقول الأديب "أحمد أمين": "لقد
جرّبت الناس فوجدتهم يخضعون للذوق أكثر مما يخضعون للمنطق، فبالذوق لا بالعقل
تستطيع أن تستميلهم، وأن تأسرهم، وأن توجههم، وأن تصلحهم إن شئت، أما العقل وحده
فلا يستطيع أن يأسر إلا الفلاسفة وقليل ما هم".
الذوق رمز للتحضر
أخي الكريم، في المجتمعات المتحضرة تجد للذوق مكانه
البارز فيها، فهناك مراعاة للآخرين، ومن النادر أن تجد تعديًا وتجاوزًا في استخدام
الحق أو الإسراف في إهدار حقوق الآخرين وكرامتهم، كما تجد أيضًا احتراما واضحًا
للكرامة الإنسانية، فالذوق هو الذي يصوغ ويجسد المبدأ الأخلاقي في الواقع
الإنساني والعلاقات الاجتماعي، فإذا كانت الحضارة معنية بالإنسان تجد
إعلاء لقيمة التراحم والعطف والعدل، وإذا كانت الحضارة مهتمة بالبنيان والعمران
تجد الآثار الضخمة في العمارة والإبداع في التشييد والزخرفة، وإذا كانت حضارة
تعتمد على الفنون نجد ذائقة الناس في الأدب والشعر والموسيقى حاضرة.
وقد احتل مفهوم الذوق في القرن الثامن عشر الميلادي مكانًا
بارزًا، فأصبح مفهومًا أساسيًّا في علم الجمال، حتى إن الفيلسوف الأمريكي
"جورج ديكي" (المتوفى 2020م) أصدر كتابًا بعنوان "قرن الذوق"
لوصف القرن الثامن عشر، وكانت الفكرة الأساسية أن "الإنسان هو المقياس
الحقيقي"، ورأى بعض الفلاسفة في ذلك القرن أن "الناس يدركون الجمال
والخير بالطريقة نفسها تمامًا، والتي تتضمن الحس الأخلاقي. فالجمال في
فكره وثيق الصلة بالفضيلة، وحساسية المرء في مجال الأخلاق متشابكة مع إدراكه
للجمال".
الذوق عبادة
أخي الكريم، الذوق والتحضر متلازمان، ولذلك يُقال: "لا
يتوقف التقييم الجمالي عند مدخل المتحف؛ بل يُؤثر على طريقة لباسنا، واستضافتنا،
وحديثنا، واختيارنا لخلفية حياتنا"؛ فالذوق هو أقدم شيء يميز التحضر،
وبه يمكن التمييز بين السيئ والرديء والحسن والقبيح، وإذا كان للذوق جانب فطري
مغروز في الحس الإنساني، فلا شك أن للبيئة الاجتماعية والثقافية تأثيرها؛ لأنها هي
التي تمنح الأذن والعين واللسان والعقل حسًّا فنيًّا وأخلاقيًّا، "فالذوق
الرفيع من العناصر الإيجابية في الثقافة، فالتناسب والتناسق في الأشكال والأشياء
يعطي للإنسان راحة نفسية، والمنظر القبيح المتنافر لا يوحي بأي خيال جميل، والحسّ
الأخلاقي يُمكّن الإنسان من إدراك جمال الشيء مباشرةً، دون الحاجة إلى استخدام
العقل".
وفي الرؤية الإسلامية احتل الذوق مكانة بارزة، فكان
الذوق أحد أشكال التعبد والتقرب لله تعالى، ولذلك جاء في الحديث الشريف
الذي أخرجه الإمام مسلم: "إن الله جميل يحب الجمال"، وكان الإمام
ابن تيمية يقول: "من لبس جميل الثياب إظهارًا لنعمة الله كان مأجورًا".
وقد احتل الذوق ومفهوم الجمال مكان خاصة في المشروع
النهضوي للمفكر الراحل "مالك بن نبي"، فرأى أن الذوق والإحساس الجمالي
ذو أهمية في تكوين المجتمع، ووضع معادلة رياضية لذلك (مبدأ أخلاقي + ذوق جمالي =
اتجاه حضاري) فأي أمة تفقد الحس الجمالي في تكوينها الحضاري يكون تميزها في
الجوانب المؤدية سبيلاً إلى هدمها وتخريبها وأفولها؛ فالذوق يخلق نزوعًا
إنسانيًّا نحو الإحسان في العمل والسلوك والعادات.
موضوعات
ذات صلة:
ما العلاقة بين المادية وتردي الذوق؟
هل عرف تراثنا الاهتمام بالترفيه؟
هل للعلم دور في تحقيق التوازن الأخلاقي والفكري؟
هل للحضارة الإسلامية تراث في آداب الطعام؟