هل عرف تراثنا الاهتمام بالترفيه؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : تاريخ وحضارة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 143
  • رقم الاستشارة : 4413
24/03/2026

هل عرف التراث العربي والإسلامي اهتماما بالترفيه والألعاب أم أن التراث كان لا يهتم بهذا المجال؟

الإجابة 24/03/2026

أخي الكريم، تراثنا العربي والإسلامي لم يأخذ حقه الوافي من الاهتمام، وكذلك حظه من الوعي والإلمام بجوانبه، وليس معنى ذلك أن نكون أسرى للتراث خاضعين لمقولاته ومنتجه الفكري والثقافي، ولكن المقصود أن نطّلع على التراث معرفةً ونقدًا واستخلاصًا لمنهجيته باعتباره جزءًا من هويتنا الثقافية والحضارية.

 

والترفيه كأحد أنشطة الحضارة، كان حاضرًا في التراث العربي والإسلامي، ولكن ما يميز العطاء التراثي في هذا الجانب، أنه بجانب تحقيق المتعة والترويح عن النفس وإنعاش العقل والتفكير، كان الترفيه يأتي في إطار المنظومة الإيمانية والأخلاقية فلا يصطدم بقيم ولا يتجاوز حدود الأخلاق، ولا يطغى على مسار الحياة فيحولها لحالة من العبث وفقدان المعنى.

 

الترفيه في تراثنا

 

الترفيه كان حاضرًا في التراث الحضاري العربي والإسلامي، في الممارسات الحياتية في المجتمع بكافة طبقاته؛ إذ أنتجت كل طبقة سواء من عامة الناس أو خواصهم أو طبقة الحكام والأمراء والقادة العسكريين ما يناسبهم من وسائل الترفيه وألعابه، فكانت هناك مجالس الشعر والأدب والموسيقى، والشطرنج، وكانت هناك ألعاب الفروسية والصيد والكرة والمسابقات والسباقات وفنون الحكواتي وخيال الظل وما كان يسمى بـ"القرة كـوز" أو الأرجوز، وترجمته العين السوداء باللغة التركية، وهي أحد شخصيات خيال الظل التركي العثماني، والذي يمثل ذكاء الإنسان البسيط الساخر المضحك.

 

خيال الظل: كان خيال الظل من ألعاب الهنود التي انتقلت مبكرًا إبان انفتاح الحضارة الإسلامية على حضارات العالم الأخرى، فتم اقتباس اللعبة من الهند، ثم انتشرت في عدد من أقطار المسلمين، وهي تشبه مسرح العرائس البسيط في وقتنا الحالي، وامتدت هذه اللعبة الترفيهية لقرون، حتى إن الناصر صلاح الدين -رحمه الله تعالى- كان من المولعين بهذا الفن، ورأى أنه بجانب كونه يحقق متعة وتسلية فإن فيه حكمة وموعظة، فقد كانت نصوص هذا الفن منتزعة من الحياة وحكمتها وتحث على الفضيلة والوفاء والشجاعة.

 

كان العصر المملوكي من أهم العصور التي ازدهر فيها خيال الظل، ومن أهم من كتب نصوص هذا الفن "ابن دانيال" الموصلي المتوفي (710هـ)، حيث كتب مجموعة من النصوص منها "طيف الخيال" و"عجيب غريب" و"المتيم والضائع اليتيم"، والطريف أن هذا الشخص كان طبيبًا للرمد وشاعرًا، وأجاد تصوير حياة الصناع والعمال بلهجاتهم.

 

يقول عنه الأديب "أحمد أمين" في كتابه "فيض الخاطر": "ويظهر أن ابن دانيال ألف مسرحياتٍ كثيرةً بقي منها ثلاثة: «خيال الظل، وعجيب وغريب، والمتيم»، وكان يسمي كل مسرحية بابًا لا مسرحية، وقد ألّفها باللغة العربية الفصحى، نظمًا ونثرًا.

 

وفي مجال الأدب: كان الترفيه حاضرًا بكثافة، فكان هناك الأدب الساخر، واللطائف الأدبية، التي جمعت بين متعة السرد وعمق الفكرة وحلاوة الأسلوب، وإثراء الخيال، ومن ذلك التراث الممتع:

 

* كتاب "ألف ليلة وليلة"، وهو عملٌ أدبيٌّ شديدُ التميُّز والثراء، ويراه بعض الأدباء والنقَّاد الكبار الرافدَ الأهم الذي سقى فنَّ الرواية الحديثة، وظهرت آثاره في العديد من الألوان الفنية والأدبية ما بين الشعر والقصة، بل تَعدَّى أثره الأدب المكتوب ليظهر كذلك في أعمال الرسم والتصوير الفني.

 

* وهنا أيضًا كتاب "كليلة ودمنة"، وهو كتاب في الأدب السياسي على لسان الحيوانات.

 

* وكتاب "مقامات الهمذاني"، وهو من أوائل الكتب التي تناولت فنًّا عربيًّا أصيلاً هو فن المقامات، وهو نثر يتميز بقصة قصيرة تدور في مجلس واحد تعتمد على الفنون البيانية وبخاصة السجع وبأسلوب يجمع بين الفكاهة والنقد والسخرية.

 

* ونجد أيضًا كتاب "الأذكياء" لابن الجوزي، وهو كتاب يحوي على الكثير من القصص التي لا تخلو من الفكاهة والحكمة والنقد والمفارقات التي تنشط العقل وتنمي القدرة على فهم الأشياء وتقوي ردود الفعل الطريفة والأجوبة المسكتة.

 

عموما أخي الكريم، مقام الترفيه في تراثنا له كتبه وفنونه، لكن تبقى الحقيقة أن هذا الاتجاه كان له دوره الوظيفي الذي لا يطغى على جدية الحياة.

 

موضوعات ذات صلة:

كيف تستفيد عقولنا من الترفيه؟

هل للعلم دور في تحقيق التوازن الأخلاقي والفكري؟

كيف ناقش التراث الإسلامي الشك؟

هل للحضارة الإسلامية تراث في آداب الطعام؟

الرابط المختصر :