ما أشهر رحلات الحج النسائية في تاريخنا؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : تاريخ وحضارة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 4
  • رقم الاستشارة : 4936
24/05/2026

أود أن أعرف كيف دوّن التاريخ رحلات النساء للحج، وما هي أشهر رحلات الحج النسائية التي وثقتها كتب التاريخ، وهل صاحبت رحلات الحج النسائية مواقف تاريخية وأعمال خيرية تشهد على عطاء المرأة المسلمة في الرحلة؟

الإجابة 24/05/2026

أخي الكريم، عرف التاريخ رحلات للحج دوّنها في صفحاته، وكان لحج النساء نصيب من هذا التدوين والشهرة، فقد حظيت بعض رحلاتهن بالكثير من الأدوار الحضارية والإنشائية والخيرية، فكانت رحلة حضارية وتعبدية في آن واحد.

 

أشهر رحلات الحج النسائية

 

رحلة الخيزران: هناك بعض شهيرات الحجيج اللاتي وثق التاريخ رحلتهن وعطاءهن في هذه الرحلة، وتأتي رحلة "الخيزران" زوجة الخليفة العباسي "المهدي" وأم الخليفة "هارون الرشيد" كإحدى أشهر رحلات الحج النسائية في حضارتنا، وكانت كثيرة الجود والعطاء أثناء رحلتها المقدسة، وأنشأت أول معهد ديني سمي بـ"دار الخيزران" وكان موقعه في دار الأرقم بن أبي الأرقم، الذي شهد مرحلة الدعوة السرية للنبي ، ويحسب لها أنها أول من كسا القبة الخضراء الشريفة بأقمشة الحرير.

 

رحلة زبيدة بنت جعفر: أما أشهر رحلة نسائية للحج فقامت بها "زبيدة بنت جعفر" زوجة هارون الرشيد، عام (186هـ=802م)، حيث أنفقت أموالاً هائلة لخدمة الحجيج، وسعت لرفع المعاناة عنهم من خلال توفير المياه الصالحة للشرب، بإنشاء "درب زبيدة" الذي امتد من الكوفة في العراق إلى مكة المكرمة، وهو طريق حيوي للحج والتجارة وكان فيه (27) محطة أساسية لاستراحة القوافل والتجارة ووفرت فيها الخدمات والاحتياجات على طول الطريق، وبلغ طوله (1400) كيلومتر، وتذكر كتب التاريخ أن "زبيدة" أنفقت في هذه الرحلة التي استمرت حوالي 60 يومًا ما يقرب من 54 مليون درهم، والدرهم يعادل حاليًا (3 جرامات من الفضة).

 

وعندما انتهى المشروع أتوا لها بالدفاتر لإبراء ذمتهم، فأمرت بأن تُرمى في النهر وقالت: "تركنا الحساب ليوم الحساب؛ فمن بقي عنده شيء من المال فهو له، ومن بقي له شيء عندنا أعطيناه".

 

رحلة "شجرة الدر" ملكة مصر (المتوفاة 1257م)، والتي حكمت مصر حوالي (88) يومًا، وهذه الرحلة لها مكانها في التاريخ، حيث تم ابتكار موكب "المحمل المصري" وما صاحبه من احتفالات لخروج القافلة التي تحمل كسوة الكعبة من مصر إلى الحرمين، وكانت احتفالات مبهجة على المستوى الرسمي والشعبي، واستمرت حتى القرن العشرين الميلادي.

 

ورغم أن الكتب التاريخية لا تجزم بأدائها لفريضة الحج، فإن دورها في الحج كان حاضرًا ومستمرًا لقرون، وكان ذا ثراء للخيال الشعبي، ويشير المؤرخ والرحالة التركي الشهير "أوليا جلبي" في كتابه "سياحت نامة" إلى تأسيسها لأوقاف خيرية لتجهيز كسوة الكعبة، وأنها من أوائل ملوك وسلاطين المسلمين الذين كسوا الكعبة باللون الأسود، فيقول "فأمرت بأن تكسى الكعبة حريرًا أسود وذلك خير عظيم لم يتيسر للملوك"، ووثق "أوليا جلبي" أوقافًا خصصتها "شجرة الدر" لدفع رواتب سنوية لأغوات الحرمين الشريفين، وهم القائمون على خدمة الحرمين والحجرة النبوية الشريفة.

 

ويذكر "أوليا جلبي" في تاريخه قصة نقاش وقع بين السلطان العثماني "سليم الأول" وبين علماء مصر حول تغيير كسوة الكعبة التي وضعت تقاليدها وأوقافها "شجرة الدر"، فيقول: "وقد أحصى السلطان سليم أوقاف شجرة الدر هذه، وقال: إن شجرة الدر وهي امرأة كست الكعبة بالحرير الأسود، وقد أصبحت الآن سلطان مكة والمدينة وعليّ أن أكسو الكعبة الشريفة من أعلاها إلى أسفلها بالديباج والقماش المزركش وبالذهب واللؤلؤ، إلا أن علماء مصر جميعًا وشيوخ المذاهب الأربعة والشيخ أبو السعود الجارحي لم يقروه على ذلك، وقالوا إن كسوة شجرة الدر لم يتيسر لأحد غيرها، إلا أن الله قدّرها على ذلك، والآن هذا الوقف وقفها، وشرط الواقف كنص الشارع"... فغبطها سليم على ذلك وقال: "مضت المرأة، فما أعظم ما عملت من خير لم يتيسر لغيرها من الملوك".

 

زوجات سلاطين المماليك: كان لزوجات بعض سلاطين المماليك رحلاتهن للحج التي احتفظ التاريخ ببعض تفاصيلها، ومن ذلك أن زوجة السلطان الناصر محمد بن قلاوون"، وتسمى "خوند طغاي" وكانت تُكنى بأم "أنوك" وهو ابنها، وكان موكبها للحج مهيبًا، وتذكر كتب التاريخ أنها اصطحبت معها الأبقار حتى يتوفر اللبن الطازج في تلك الرحلة، إلا أن أهم مآثرها في تلك الرحلة هي توسطها لدى السلطان الناصر حتى قام بإلغاء ضريبة القمح التي كانت مفروضة على أهل مكة المكرمة.

 

وقد نشرت الباحثة "كاثرين جونسون" ورقة بحثية مهمة عام 2000م في مجلة الدراسات الإسلامية التي تصدر في فرنسا، ورقة عن حج زوجات سلاطين المماليك "الخوندات" تناولت فيها رحلات الحج لخمس من زوجات سلاطين المماليك، وما صاحب تلك الرحلات من استعدادات ضخمة واحتفالات مبهجة، حيث كانت رحلة الحج تمتد قرابة الخمسين يومًا، وكان يخصص ألف جمل لحمل متاع الأسرة المالكة، ومن ذلك رحلة خوند "زينب بنت بدر الدين بن خصبك" زوجة السلطان الأشرف إينال، عام (861هـ).

 

وختامًا أخي الكريم، ما زال الكثير من التاريخ المشرق لحضارتنا الإسلامية يحتاج إلى إبراز واستخراج من بطون كتب التاريخ؛ لأنه يكشف جانبًا من قوة الحضارة الإسلامية، وطابعها التوحيدي والإنساني.

 

موضوعات ذات صلة:

هل عرفت ثقافتنا أدب الرحلة للحج؟

قصة أول دكتوراة عن الحج

كيف تظهر مفاهيم الإسلام الكبرى في الحج؟

كيف نظر العلمانيون العرب إلى الحج؟

الرابط المختصر :
bahiscasino hacklink satın al jojobet casibom casibom betcio betasus betpas