هل للعلم دور في تحقيق التوازن الأخلاقي والفكري؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : تاريخ وحضارة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 13
  • رقم الاستشارة : 4279
08/03/2026

السلام عليكم

إلى أي مدى يمكن اعتبار طلب العلم ونشره مشروعاً حضارياً، لا مجرد عبادة فردية، بل مسؤولية جماعية تسهم في بناء منظومة أخلاقية وفكرية متوازنة داخل المجتمع؟

الإجابة 08/03/2026

أخي الكريم، سؤالكم يلمس أزمة حضارية عاني منها المسلمون منذ تراجع قيمة العلم ودوره في حياتهم وبنائهم الثقافي والفكري والأخلاقي.

 

أخي الكريم، كانت دعوات المصلحين المسلمين منذ نهاية القرن الثامن عشر الميلادي وحتى الآن، تنبه إلى أهمية العلم ودوره، وتزيل كل العوائق الفكرية التي تحول بين المسلمين وبين التقدم العلمي، فأنتجوا الكثير من الأفكار والمؤلفات التي فككت القراءات المغلوطة عن موقف الإسلام من العلم، ومن ذلك كتاب الشيخ محمد عبده "الإسلام بين العلم والمدنية" الذي صدر عام 1901م عندما اتهم وزير الخارجية الفرنسي "غابريل هانوتو" الإسلام بأنه معاد للعلم، فجاء الكتاب لإزالة تلك الشبهة التي كانت شائعة في الفكر الغربي وعند المتأثرين به من المسلمين.

 

الانفصال بين العلم والقيم

 

والحقيقة أن الحداثة الغربية عندما أنتجت بنية معرفية مادية، أحدثت اختلالات في منظومة القيم وغيابًا للتوازن بين العلم والأخلاق في المجتمع، فكان شرود العلم بعيدًا عن الأخلاق؛ ففي السياسة تجلّى الانفصال في حضور المكيافيلية التي تفصل الدين عن الأخلاق وتفصل الأخلاق عن السياسة، والتي لم تعترف بأي قانون أخلاقي في عالم السياسة، هذا الانفصال أثبت قيمة جديدة وهي "الغاية تبرر الوسيلة" فتحولت السياسة إلى ساحة للصراع، وظهرت المدرسة الاستعمارية، ومن بعدها النازية والفاشية.

 

وفي عالم الاقتصاد حدث الانفصال بين العلم والأخلاق، فمع "جيرمي بنثام" (المتوفى 1832م) ظهر مذهب المنفعة واللذة، وهاجم الأخلاق كمعيارية لضبط السلوك، وسعى لوضع قياسات تجريبية لقياس اللذة والألم، وأكد أن "فعل الخير هو الذي يحقق أو يحتمل أن يحقق أكبر مقدار من اللذة أو السعادة لأكبر عدد من الناس"، وبذلك حوّل الأخلاق إلى معادلات حسابية.

 

ربما المثالان السابقان يفصحان عن تأثير انفصال العلم عن دوره في ترقية المنظومة الأخلاقية والقيمية، وبالتالي تحولت السياسة إلى صراع لا يعرف الرحمة أو الأخلاق، أما الاقتصاد فتحول إلى نهم للربح والاستهلاكية والسعي الدائم للذة.

 

العلم كمشروع حضاري

 

العلم له قيمة عظيمة في القرآن الكريم والسنة النبوية، والكثير من النصوص تدعو إلى طلب العلم، ومن تلك النصوص العظيمة استقى المشروع الحضاري رؤيته للعلم، حيث جعله مرتكزه في النهوض، فعرفت الحضارة الإسلامية جميع الوسائل لنشر العلم، من تشجيع للعلماء، وإنشاء للمدارس ومعاهد الدراسة، واهتمام بالكتاب والمكتبات.

 

وإذا نظرنا إلى التمازج والتداخل بين العلم والأخلاق والقيم في الرؤية الحضارية، فسنجد أن مفهوم النية حاضر منذ البدء، فتحرير القصد بطلب العلم للاقتراب من الله تعالى، ولتحقيق النفع، كخطوة أولى في طلب العلم -لا تجده في أي حضارة إلا نادرًا- ساهم في تحقيق التوازن بين العلم والفكر والأخلاق، فلا يوجد فجوة مثل التي نراها في النموذج الغربي.

 

الرؤية الحضارية الإسلامية جعلت من العلم سبيلاً لخشية الله تعالى، وهذا القصد يجنب العلم مزالق الغرور والعجب، أو استغلال العلم للتدمير والإضرار بالناس والكون؛ فالعلم وسيلة لكل فضيلة، فلا يمكن الاستغناء عن العلم، يقول الإمام أبو حنيفة: "من ظن أنه يستغني عن العلم فليبكِ على نفسه". أما الإمام الشافعي فله مقولة في غاية العلم: "العلم ما نفع، ليس العلم ما حفظ"؛ فاقتران العلم بالنفع يربط العلم بمصالح المجتمع وقيمه فلا يوجد تضاد بين التقدم العلمي والواقع الأخلاقي.

 

أما أخلاقيات طلب العلم فكانت مبثوثة في الرؤية الحضارية الإسلامية، يقول "عمر بن الخطاب": "تعلموا العلم، وعلموه الناس، وتعلموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه العلم، وتواضعوا لمن علمتموه العلم".

 

والعلم كان مسؤولية جماعية وليس فردية في الرؤية الإسلامية، ولهذا كثرت الأوقاف والأحباس لرعاية العلم وطلبة العلم والمدارس والمكتبات والكتب، ونشير إلى بدايات الأوقاف في هذا المجال، فمع أواخر القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع، أوقف الإمام "أبو حاتم محمد بن حبان الشافعي" مدرسة في نيسابور، سميت بالمدرسة البيهقية، وألحق بها خزانة للكتب، وسكنًا للطلاب، كما عرفت دمشق المدارس الوقفية مثل المدرسة الصادرية، وهي أول مدرسة للأحناف أنشئت في دمشق عام 491هـ، ودرس فيها كبار العلماء.

 

أخي الكريم، لعل هذه الاستشارة أن تفتح أذهاننا على تجربتنا في نشر العلم ورعايته، وضرورة أن نعيد هذه التجربة في حياتنا، وان يقترن العلم بالأخلاق والأفكار لتحقيق التوازن والترقي.

 

موضوعات ذات صلة:

ما علاقة الوعي الديني بتشكيل القيم الاجتماعية؟

هل مفهوم الفقه في الرؤية القرآنية يكتفي بالعلوم الشرعية؟

كيف تنشئ الأفكار الشجاعة في النفس؟

كيف ناقش التراث الإسلامي الشك؟

هل للحضارة الإسلامية تراث في آداب الطعام؟

الرابط المختصر :