متى يتحول الصدع بالحق إلى إضرار بالدعوة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 234
  • رقم الاستشارة : 3204
06/11/2025

شيخنا الفاضل، أود أن أستشيركم في أمر يهمني كثيرًا، وقد رأيت له أثرًا في بعض من حولي.

هناك شخص أعرفه جيدًا، وهو ممن يحرصون على قول الحق والدعوة إليه، لا يجامل في دين الله، ويصدع بالحق في كل مجلس. لكن المشكلة أنه يعرض الحق بأسلوب قاسٍ، فيه شيء من الفظاظة والحدة، وربما يتجاوز أحيانًا إلى التهكم أو التوبيخ، حتى مع من يجهل أو يخطئ عن غير قصد.

لاحظت أن كثيرًا من الناس ينفرون منه، لا لأنهم يرفضون ما يقول، بل لأنهم لا يحتملون طريقته. بل إن بعضهم صار يرفض الحق نفسه، لأنه اقترن عنده بذلك الأسلوب الجارح.

سؤالي يا شيخ:

هل يُعد هذا من الصدّ عن سبيل الله؟

وهل يُؤاخذ الإنسان على أسلوبه في عرض الحق، حتى وإن كان صادقًا فيما يقول؟

وكيف نوازن بين الصدع بالحق وبين الحكمة واللين في الدعوة؟

أرجو توجيهكم ونصحكم، جزاكم الله خيرًا.

الإجابة 06/11/2025

مرحبًا بك أخي الفاضل، وشكرًا جزيلًا على ثقتك بنا، وأدعو الله العظيم أن يبارك فيك وفي سعيك للخير، وأن يجعلنا وإياك مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يهدينا جميعًا لأحسن الأقوال والأفعال، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، وبعد...

 

فلقد أصبت الحقيقة فيما لاحظت، وما طرحته يلامس جوهر الدعوة إلى الله وأساس نجاحها. إنَّ الحقَّ كالجوهرة الثمينة، لكنَّ طريقة عرضها وتقديمها هي التي تحدد إن كانت ستُقبَل بشغف وحب أو تُرَدُّ بملل وكُره. الإسلام دين حكمة ورحمة، وقد جاء ليُخرِجَ الناس من الظلمات إلى النور، لا ليُنفِّرهم ويُبعدهم. فكيف لرسالة قائمة على الرحمة أن تصل بأسلوبٍ يخلو منها؟!

 

هل يُعد هذا من الصدِّ عن سبيل الله؟

 

يا أخي الكريم، إنَّ الصدَّ عن سبيل الله هو المبالغة والتعمد في وضع العقبات التي تمنع الناس من الدخول في الإيمان أو العمل به. والشخص الذي ذكرته نيته صادقة في غالب الأحوال، ولكنه يقع في محظور التنفير بسبب خطئه في الأسلوب، فلا يُعد فعله صَدًّا مباشرًا أو كُليًّا عن سبيل الله بالمعنى الشرعي الذي يخرج صاحبه عن دائرة الدعوة، بل هو من باب الإضرار بالدعوة عن غير قصد.

 

ولكن عندما يؤدي أسلوبه إلى نفور الناس من الحق، ورفضهم له؛ لأنه جاء من جهة هذا الشخص أو بطريقته الجارحة، فإن النتيجة العملية تكون مماثلة لنتائج الصد. إنه يُغلِقُ بابًا كان يمكن أن يكون مفتوحًا أمام هؤلاء. والأثر الذي رأيته -وهو رفض الناس للحق بسبب الأسلوب- هو دليلٌ قاطع على أن هذه الطريقة لا تخدم الدعوة؛ بل تضرها، ومن المعلوم أنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد.

 

يقول الله عز وجل: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل: 125]. ويقول نبيه: «يسِّروا ولا تُعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا» [رواه البخاري].

 

هل يُؤاخذ الإنسان على أسلوبه المنفر؟

 

نعم، يُؤاخذ الإنسان على أسلوبه المنفر في الدعوة إلى الله وفي النصح العام؛ والنية الصادقة لا تُبرِّر الأسلوب الخاطئ، خصوصًا في الأمور التي يترتب عليها نتائج سلبية على الآخرين وعلى الدعوة إلى دين الله.

 

إنَّ الإسلام يزنُ العمل بجميع جوانبه: نيَّته، وشرعيَّته، وطريقته. والأسلوب هو جزء من الطريقة التي أمرنا الله بتحسينها.

 

لقد أمر الله –تعالى- نبييه موسى وهارون -عليهما السلام- وهما ذاهبان إلى فرعون الطاغية المتجبر، باللين في القول: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [سورة طه: 44]، فكيف بمن يدعو مسلمًا؟

 

وكذلك ذمَّ –عز وجل- الفظاظة والغلظة، وخاطب نبيه محمدًا ﷺ الذي هو أحسن الناس خُلقًا، ليُبيِّن أنَّ الفظاظة تنفِّر حتى لو كان الرسول هو من يفعلها: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [سورة آل عمران: 159].

 

أما التهكم والسخرية والتوبيخ، فهي أساليب تُهدِر كرامة الإنسان وتُشعره بالدونية، والإسلام دين يحافظ على الكرامة الإنسانية. ومن يوبخ الناس على جهلهم، فقد يقع في الغرور والعجب، وهو ما قد يُحبط عمله الصالح.

 

كيف نوازن بين الصدع بالحق وبين الحكمة واللين؟

 

إن التوازن بينهما هو منهج الأنبياء والمصلحين. إنه ليس خيارًا بين أمرين، بل اِمتزاجٌ بين قوة المحتوى وحُسن العرض.

 

إنَّ الصدع بالحق هو الوضوح والقوة في إظهار الحق وعدم الخجل منه، وبيان الباطل دون مواربة في الأماكن المناسبة وللأشخاص المستحقين. أما الحكمة واللين، فهي مراعاة أحوال الناس، وقدراتهم، ومستويات علمهم، وظروفهم النفسية، واستخدام أحسن الألفاظ وأرقِّها.

 

ولتحقيق هذه الموازنة، علينا بالتالي:

 

- الجمع بين الحسم واللين: مثال ذلك نجده في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد. الأسلوب النبوي كان فيه صدع بالحق (حيث لا يجوز التبول في المسجد)، لكن مع أقصى درجات اللين والحكمة (الأمر بتركه حتى ينتهي، ثم تعليمه بالرفق)، والنتيجة كانت أن فهم الأعرابي وتأثر بالرحمة النبوية التي غمرته.

 

- تنويع لغة الخطاب: وهذا هو أسلوب القرآن؛ حيث نجد فيه تنويعًا فريدًا للخطاب، تارة ترغيبًا في الجنة، وتارة ترهيبًا من النار، وتارة حوارًا بالعقل، وتارة قصًّا للقصص.

 

وإليك بعض المفاتيح التي يمكنك أن تنصح بها هذا الشخص:

 

1. اجعل الدافع هو حب الخير للناس ورفع الجهل عنهم، لا إظهار التفوق عليهم والتشفي بخطئهم.

 

2. انتقد الخطأ أو القول الباطل، ولا تجعل النقد موجهًا لشخص المخاطب، بعبارات مثل: «أنت جاهل»، أو: «أنت لا تفهم».

 

3. الرفق بالجاهل والتلطف بالخاطئ غير المتعمد، فمن يخطئ عن غير قصد أو جهل، هو بحاجة إلى تعليم ورحمة، لا إلى تقريع وعقوبة. وقد قال ﷺ: «إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنزَعُ مِن شيءٍ إلَّا شانَهُ» [رواه مسلم].

 

4. ذكِّره بالنبي ﷺ وكيف كان يقضي الساعات الطوال مع المخطئ والجافي حتى يلين قلبه ويهديه الله.

 

5. إنَّ الناس لا يُلقون السمع إلا لمن شعروا بصدق محبته لهم وحرصه عليهم. ازرع الرحمة في قلوبهم أولًا، ثم اسقِ بذرة الحق بعد ذلك.

 

وأخيرًا، قل له: «إنَّ الغاية الكبرى هي أن يُقبَل الحق. قلبك المليء بالإيمان، وهو كنز عظيم، ولكن اجعل لسانك سفيرًا حكيمًا لدينك وأفكارك. اجعل الناس يحبون الحق من خلالك، ولا تجعلهم ينفرون منه بسببك».

 

إنَّ همَّ المصلحين ثقيل، ولكن أجره عظيم. استمر في نصح صديقك برفق ولين، وبيِّن له أنَّ قوة الحق لا تحتاج إلى قوة في الصوت أو قسوة في العبارة، بل إنها تصل بالبشاشة وحُسن الخُلُق. أدعو الله أن يوفقك، ويسدد خطاك، وأن يجعلنا جميعًا من الهداة المهتدين.

 

روابط ذات صلة:

الدعوة إلى الله بين جرأة الصدع بالحق وحكمة مخاطبة القلوب

كيف أكون داعية بين زملائي؟ طريق التأثير برحمة وحكمة

الرابط المختصر :