الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
16 - رقم الاستشارة : 5863
15/09/2026
يشغلني موضوع الجزاء الذي يعد به الإلحاد الناس للعمل وما هي أدواته في تحريض الناس على الفضيلة والخير والفردوس المنشود في الإلحاد؟
أخي الكريم، تساؤلكم عن مفهوم الجزاء والثواب
والأجر، في الظاهرة الإلحادية سؤال ذو أهمية؛ لأنه يكشف عن هشاشة الإلحاد في
وعوده، أما ما يمنحه من جزاء، في كثير من الأحيان، فيأتي بعيدًا عن إطار رؤيته
المادية، فهو يتحدث عن الثناء على الشخص بعد الموت والفناء، أو استمرار أثره في
الحياة؛ لذا يعد هذا المفهوم ثغرة كبيرة في الرؤية الإلحادية.
ارتحال الجزاء من السماء إلى الأرض
أخي الكريم، الإلحاد بإيمانه التام بالمادة،
نقل مفهوم الجزاء والثواب من السماء إلى الأرض، ومن الآخرة إلى الدنيا، ومن انتظار
الجزاء من إله كريم إلى البحث عن الجزاء في الثناء وذكر المحاسن بعد الفناء.
ولعل ذلك التغيير الإلحادي يرجع إلى أن اليقين
في المادة يلغي اليقين في الغيب؛ فالإلحاد لا يعترف بالغيب، ويراه توهمات وخرافات
وقصصًا مسلية خيالية؛ لذا لم يجد الإلحاد مجالاً لمنح الناس الأجر على أفعالهم إلا
من خلال تذكيرهم بالمسؤولية الاجتماعية والإنسانية، وأن أجر الوفاء بالتزاماتهم سيكون
مديحًا وثناء، لأنه لا شيء بعد الموت إلا العدم والفناء، فليس هناك آخرة وليس هناك
فردوس موعود للصالحين، ولا جحيم أبدي للأشرار.
يذهب الإلحاد في رؤيته أن فعل الإنسان للخير لا
يحتاج إلى ثواب أخروي؛ لأنه نابع من الطبيعة الإنسانية وليس من أوامر إلهية خارج
إطار الإنسان، فالإنسانية هي منبع الخير، وبالتالي فالجزاء على الخير هو شعور
الرضا والراحة النفسية الذي يغمر الإنسان عندما يتوافق مع ذاته الخيرة.
الخلود الرمزي
أخي الكريم، وأمام راحة الضمير، التي يزعم
الإلحاد أنها كافية كجزاء وثواب، زعم الإلحاد أن الأجر سيكون خلودًا رمزيًّا في
ذاكرة الناس وكتب التاريخ وفي التماثيل والأعمال الفنية، وهو ما أسموه
"خـــلود الأثر"، وهذا ما دعا إليه الملحد "كريستوفر هيتشنز"
الذي أصر أن يموت ملحدًا، في كتابه ذي العنوان الإلحادي "الرب ليس
عظيما" God Is Not Great،
حيث طالب بصياغة منظومة أخلاقية مبنية على التضامن الإنساني بعيدًا عن وعود الغيب،
وزعم أن مفهوم الجزاء الأخروي يفسد الأخلاق بدلاً من أن يقومها، وأن فكرة القيام
بالخير من أجل الفوز بالجنة، أو تجنب الشر خوفًا من النار، تُجرّد العمل الإنساني
من قيمته الأخلاقية؛ بل تمادي هذا الملحد ليصف مفهوم الجزاء بأنه "ديكتاتورية
سماوية" لأنها تحاسب الناس على أفعالهم ونواياهم.
أما البديل للجزاء الذي طرحه الملحد
"هيتشنز" فادعى أن البشر لا يحتاجون إلى وعود بالثواب أو تهديدات
بالعقاب لكي يكونوا صالحين؛ لأن الإنسان قادر على التمييز بين الخير والشر ومساعدة
أخيه الإنسان بدافع من "الإنسانية المحضة" والتضامن المشترك، وليس
بانتظار مكافأة في الآخرة.
عالم الاجتماع الأمريكي الملحد "فيل
زوكرمان" أحد المتخصصين في علم اجتماع العلمانية، له كتابان، أحدهما بعنوان "الحياة
العلمانية" Secular Life دعا إلى حياة أخلاقية بدون الحاجة إلى إله، ودون الحاجة إلى وجود جنة أو نار،
والآخر بعنوان "ماذا يعني أن تكون أخلاقيًّا" What It Means to Be Moral،
حيث زعم أن الحياة تكون قبل الموت لا بعده، وأن إسقاط فكرة الثواب والعقاب على
عالم غيبي يفرغ الحياة الحالية من قيمتها الفريدة؛ فالعلماني يرى أن هذه الحياة هي
الفرصة الوحيدة والنهائية، وأن كل لحظة فيها تصبح ذات قيمة قصوى، ويصبح إعمار
الأرض وتحسين حياة البشر هو "الثواب" الحقيقي والوحيد.
وختامًا أخي الكريم، الإلحاد لا يقدم للناس شيئًا
إلا الجحيم في الآخرة، والضنك في الدنيا، فليس عنده ثواب أو عقاب، ولكنها كلمات
فارغة يستر بها رفضه للخالق سبحانه وتعالى وكفره بالغيب واليوم الآخر.
موضوعات ذات صلة:
كيف
نظر الإلحاد إلى حقيقة الموت؟
هل
يتشابه الإلحاد مع الجاهلية في تقديس المادة؟
الإلحاد الديني والعلمي هل هناك اختلاف؟
ما دلالة تراجع فلو عن الإلحاد بعد خمسين عاما؟